استخدام الجوع سلاحا للحرب يهين الكرامة الباقية لدى السوريين

وضع مذل في بلد كان يتمتع بالاكتفاء الذاتي

بيروت - أدى النزاع السوري الى تدهور الوضع الانساني الى مستويات لم يكن ممكنا تصورها قبل ثلاث سنوات خاصة في المناطق المحاصرة من قبل القوات النظامية، حيث ان بعض السكان باتوا يسدون رمقهم بأطعمة مخصصة للحيوانات، فيما يكتفي آخرون بالقشور والفضلات.

وعلى وقع استمرار العنف، تتكاثر الصور المريعة لأطفال باتوا أشبه بهياكل عظمية، او آلاف الأشخاص البؤساء ينتظرون بيأس وصول المساعدات.

وباتت مناطق مثل مخيم اليرموك ومدينة حمص وغوطة دمشق، مرادفا للبؤس والعوز بسبب الحصار الذي يفرضه نظام الرئيس بشار الاسد.

وتقول السلطات انها تريد بذلك الضغط على "الإرهابيين" (في اشارة الى مقاتلي المعارضة) لإخراجهم، الا ان الامم المتحدة ومنظمات حقوقية مثل منظمة العفو الدولية تتهم النظام باستخدام الجوع "كسلاح حرب".

وتعرقل توزيع المساعدات ايضا في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة المسلحة، مجموعات مسلحة مناهضة للمنظمات الدولية مثل برنامج الاغذية العالمي الذي يؤكد ان خمسمئة الف شخص يعيشون في مناطق يصعب الوصول اليها، لا يتلقون المساعدة الغذائية التي يحتاجون اليها.

وقبل اندلاع النزاع السوري منتصف آذار/مارس 2011، كان مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين في جنوب دمشق منطقة شعبية وتجارية يقيم فيها 170 الف شخص. وتحول المخيم في اواخر كانون الاول/ديسمبر 2012، الى ساحة معركة، ويخضع منذ حزيران/يونيو 2013 لحصار مطبق.

ويعيش في المخيم حاليا نحو اربعين الف مدني فلسطيني وسوري في ظروف معيشية مريعة، ويعاني 60 بالمئة منهم على الأقل من سوء التغذية بحسب "العفو الدولية"، فيما توفي اكثر من 120 شخصا جوعا بحسب المرصد السوري لحقوق الانسان.

وهذا ما حدا بكريستوفر غانيس المتحدث باسم وكالة الامم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الاونروا) للقول "تضاف الى قاموس لاانسانية الانسان تجاه اخيه (الانسان) كلمة جديدة هي اليرموك".

وبثت المنظمة مؤخرا صورا وشريطا مصورا يظهرون الآلاف من سكان هذا المخيم المحاصر، تبدو على وجوههم علامات الجوع والتعب، وهم ينتظرون مساعدات الاونروا في شارع تصطف على طرفيه المباني المدمرة.

واضاف غانيس "ان الناس اضطروا لأكل اطعمة مخصصة للحيوانات وهناك نساء توفين اثناء الولادة لعدم توفر العناية" اللازمة.

وتصف منظمة العفو الدولية حصار اليرموك بانه اكثر الحصارات "دموية" في سوريا.

واكدت سحر (56 عاما) المقيمة في المخيم انها خسرت "20 كيلوغرام" من وزنها منذ بدء الحصار، وهي تعاني اضافة الى ضعفها من نقص السكر في الدم وترقق العظام.

وقالت هذه السيدة التي فقدت زوجها وابنها في اعمال العنف، بتأثر "هذا العوز يشكل اهانة لكرامتنا".

وبالنسبة اليها والى الاف المدنيين الاخرين، بات تناول وجبة لائقة بمثابة ذكرى بعيدة المنال. وروت "قبل بضعة ايام جلب بعض الجيران باذنجان وارز من ببيلا"، البلدة التي تبعد خمسة كيلومترات عن المخيم.

واستطردت وهي تحبس دموعها "كانت المرة الاولى التي اتناول فيها وجبة منذ اشهر.. شعرت بأنني استعيد قواي". اضافت "لقد نسينا تقريبا ما معنى الطهو".

كذلك تعكس شهادات عديدة من اليرموك واماكن اخرى الوضع المذل في بلد كان يتمتع قبل بدء النزاع الاكتفاء الذاتي.

واشار جاسم وهو ناشط في اليرموك، الى ان "الناس يموتون في منازلهم ويصبحون طعاما للفئران قبل ان يعلم بهم الجيران".

ومنذ 18 كانون الثاني/يناير، وزعت الاونروا نحو ثمانية آلاف طرد من المواد الغذائية، لكنها "قطرة ماء في بحر" بحسب الوكالة.

ولا يقل حدة عن ذلك نقص الادوية والبنزين والكهرباء.

ولفت طارق وهو معلم في الغوطة الشرقية التي كانت معروفة بخصوبة ارضها وبساتينها، الى "امور كانت عادية قبل الحصار مثل التلفزيون والتدفئة، لكنها اصبحت الان من الكماليات".

وقال في اتصال معه ايضا عبر سكايب "ان سعر كيلو الطحين ارتفع من 50 الى 750 ليرة (من 0.30 الى 5 دولارات اميركية)، وليتر المازوت من 20 الى 1700 ليرة (0.13 الى 11 دولار)".

واضاف طارق الذي يدرس في طوابق تحت الارض خوفا من عمليات القصف على ضوء الشموع ومصابيح الجيب، "اننا نقوم بحفر الابار مثل ايام زمان، لكن المياه فيها ملوثة كثيرا".

وقد فرض الجيش السوري طوقا على بلدات واحياء عدة مثلما حصل في حمص حيث قامت الامم المتحدة باجلاء 1500 مدني خائري القوى في شباط/فبراير.

وفي مطلع اذار/مارس قالت لجنة التحقيق التابعة للامم المتحدة حول انتهاكات حقوق الانسان في سوريا ان "اكثر من 250 الف شخص يخضعون لحصار في سوريا" و"عليهم الاختيار بين الجوع والاستسلام" موجهة اصبع الاتهام الى القوات النظامية، وكذلك الى المعارضين الذين يحاصرون قرى موالية للنظام.

ويضاف هذا الرقم الى حصيلة مريعة اصلا، مع اكثر من 140 الف قتيل جراء النزاع، واكثر من تسعة ملايين من اللاجئين والنازحين، واكثر من 2.2 مليون طفل محرومين من المدرسة، فضلا عن تدمير او تضرر محو 50 بالمئة من مستشفيات البلاد.