الخليج... الشبكات الدينية الشيعية

انتشار خارج الأوطان كما هو الإسلام السياسي السني

على الرغم من مرور خمسة أعوام على صدوره في عام 2008م، إلا أن كتاب الباحثة الفرنسية الدكتورة لورنس لوير المعنون (السياسات الشيعية العابرة للأوطان: الشبكات الدينية والسياسية الشيعية في الخليج) يعتبر من أفضل ما كُتب بعناية حول هذا الموضوع؛ حيث إنه جاء نتيجة بحث متواصل ولقاءات ميدانية متكررة في منطقة الخليج مع قيادات شيعية متعددة.

الكتاب الذي يقع في أكثر من 300 صفحة، ويضم عدة أجزاء مهمة حول تاريخ منطقة الخليج وتداخل الثقافة والدين والبنية المجتمعية والاقتصاد في التشكلات السياسية فيها، والعلاقة بين السكان الأصليين فيها والقبائل الوافدة من أواسط الجزيرة العربية وغيرها، يشكل بحثاً معمقاً حول تطور العلاقات بين القوى المختلفة في كل من الكويت والبحرين والسعودية ويؤسس لفهم شامل حول طبيعة هذه العلاقة وتطورها.

وإضافة إلى الجوانب التاريخية للمنطقة، تتناول المؤلفة بصورة تفصيلية نشوء وتطور الجماعات السياسية الشيعية في المنطقة، وتشكلها، وأنماط عملها، وبرامجها، وتداخلاتها، وعلاقاتها مع المحيط، وتأثير التطورات السياسية الإقليمية على توجهاتها.

تتجه الباحثة إلى القول إن نشوء الجماعات السياسية الشيعية في الخليج كان نتيجة تواصل مع الأحزاب السياسية العراقية منذ بداية السبعينيات الميلادية والمتمثلة أساساً في حزب الدعوة الإسلامية وحركة الطلائع الرساليين ورموزهما والتيارات التي تولدت عنهما. وتستعرض نمو هذه الجماعات السياسية في الكويت وتوسع أنشطتها لبقية دول الخليج طوال السبعينيات الميلادية ضمن برامج ثقافية واجتماعية متعددة.

والباحثة إذ تدرس التأثيرات المتبادلة بين هذه الجماعات وبين الثورة الإيرانية؛ فإنها تعالج أيضا الفروقات في المنهجية والمواقف السياسية منها، مشيرة إلى وجود تباينات في مناهج العمل جعلت بعض هذه الجماعات تنجح في مناطق معينة وتخفق في غيرها. كما تدرس أيضا الإشكالية الدينية المرجعية كونها مركزية، وبالتالي فإن الارتباط بها سواء في العراق أو في إيران سبّب إشكالية أمام تناول قضاياها المحلية.

وترى لوير أن الجماعات السياسية الشيعية أبدت مرونة في عملها السياسي وتحولها من حالة صدامية مع الحكومات في بعض المراحل إلى حالة هي أقرب إلى التعايش والتداخل في مراحل أخرى. فقد مرت هذه الجماعات بمراحل عمل مختلفة استطاعت فيها بلورة برامجها السياسية المحلية على الرغم من التهديدات والتطورات الإقليمية الحادة طوال الأربعة عقود الماضية التي مرت بها المنطقة.

وتستعرض الباحثة نماذج من مسيرة عمل بعض الشخصيات في هذه الجماعات مستشهدة بأبرز التحولات الفكرية والسياسية لديها، ومحاولة الإجابة عن تفسير لمواقفها طوال فترات عملها، والأهداف التي حققتها، والنتائج التي توصلت إليها.

تقترب الباحثة من معالجة هذه القضايا بموضوعية وعلمية وبحساسية بالغة، مبتعدة عن أشكال التنميط السائدة بسبب الحالة الطائفية، ومشاعر هوية الأقليات، أو ربطها بالتوجهات الإيرانية في المنطقة. وهي بذلك تقدم مادة غاية في الخصوبة والتحقيق العلمي والمعرفي المتوازن، وتثير في ذات الوقت أسئلة لقضايا هي في أمسّ الحاجة إلى دراسة بحثية متواصلة من قبيل: المرجعية المحلية، ومدى قدرة هذه الجماعات على حماية مصالح أتباعها واستمرارية استقلالها.

جعفر الشَّايب

نشر في الشرق السعودية