الصحويون السعوديون: ممازجة الوهابيَّة بالقطيية

ييئة خصبة للتطرف والبداية بتركة الإخوان المسلمين في مناهج الدراسة

بعد انحسار المد القومي، أو نهاية مشروعه الأيديولوجي، انحسرت الموجة القومية في البلاد السعودية لتحل محلها الموجة الإسلامية كبديل فكري وسياسي، ولكون المشاريع الإسلامية السياسية قامت بالتوزّع القسري على خارطة الوطن العربي بسبب ضغط القومية فيما سبق خاصة في مصر، حتى رحل العديد من ممثلي الحركات الإسلامية من مصر: (الإخوان المسلمون بالذات) إلى منطقة الخليج العربي، وقد حطوا رحالهم أكثر في السعودية على اعتبار أنها تمثل الحاضن الديني لعموم المسلمين واعتمادها على السلفية الحنبلية/ التيمية/الوهابية، مما يمكن استغلالها لنشر الأيديولوجيا الإخوانية.

المشكلة هنا أن الحرب ضد الآخر الغربي انتقلت من وضعها من مقاومة المستعمر إلى الداخل، أي أصبحت الحرب تحاك ضد السياسات الداخلية للبلد أو الأنظمة الداخلية، باعتبار أنها تعمل على تحقيق مصالح الدول الاستعمارية، وشملت الدائرة فيما بعد الكثير من القوى الداخلية أو الأطياف الفكرية من ليبراليين وعلمانيين ويساريين وقوميين، وفي وقت متأخر شملت هذه الحرب الفكرية أيضا حتى أولئك الذين يتقاطعون مع الفكر الإسلامي ويتكؤون عليه في طروحاتهم الفكرية؛ لكنه طرح أقرب إلى الاستنارة منه إلى الأصولية، ونتج عن كل ذلك تجاذبات فكرية وسياسية بين القوى الإسلامية من أصولية سلفية أو سلفية جهادية والقوى المخالفة لها في الساحة الإسلامية، مما أدى إلى استخدام العنف والتصفيات الجسدية أو التصفيات الفكرية و السياسية؛ خاصة تلك الأفكار الأصولية التي تتكئ على الفكر المودودي أو الفكر القطبي.

والمجتمع المثالي في نظر الأصوليات الإسلامية هو ذلك المجتمع الذي يتحدد وفق الانتماء الديني؛ "فالدين هو العامل الحاسم في تكوينه تكويناً أخلاقياً ونفسياً، وهو إطاره العام الثابت الذي لا يتغير، الأمر الذي يفسح المجال أمام جملة من الإشكاليات المريرة في فهم الاجتماع، وفي تقرير البرامج الإصلاحية وتأويل النصوص القرآنية في مواجهة المتغيرات التي لا تقف عن حد من عولمة الاقتصاد إلى شبكة الاتصالات الكونية الواسعة إلى المتغيرات المتسارعة في أنماط الحياة والعادات، فضلا عن التكنولوجيا التي لا تغير أساليب الإنتاج فحسب، بل ربما الإنسان المعاصر نفسه".

ولأن المجتمع السعودي استطاع نسبياً التوازن مع المتغيرات الحياتية المتمثلة في النهضة العمرانية والمجتمعية مع المحافظة على القيم الإسلامية؛ فقد كان مؤهلا جدا لاستبذار الفكر الأصولي الحركي ليرحل الكثير من رموز الفكر الأصولي، والإخواني بالذات، إلى الداخل السعودي ويتبوأوا مناطق مهمة في المنظومة التعليمية كالجامعات والمدارس، وليقوموا فيما بعد بالتأثير على قطاع عريض من أبناء المجتمع عن طريق ممازجة الفكر الوهابي مع الفكر القطبي لتتأسس من هذه المزاوجة حركة جديدة سميت بـ"الصحوة الإسلامية".

قبيل تلك الفترة، وتحديداً في عام 1966، كانت قد تأسست "الجماعة السلفية المحتسبة"، والتي سميت بعد ذلك بـ"أهل الحديث" لاعتمادها تصحيح الأحاديث النبوية، قادها من الناحية العلمية الشيخ محمد ناصر الألباني (1914- 1999)، قبل أن يتسلم قيادتها العلمية الشيخ عبدالعزيز بن باز (1912- 1999)، وكان الألباني من القلائل الذين أثروا على الفكر الأصولي في السعودية، لتنتج حركة أخرى منبثقة من داخلها انحرفت عنها وخرجت عليها؛ قادها جهيمان العتيبي على الرغم من بساطته الفكرية.

كانت أفكار هذه الحركة تقوم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمفهومه السياسي، ورفض المنجزات العصرية والتحولات القيمية التي أثرت على المجتمع باعتبار أنه جاء وقت ظهور المهدي المنتظر، لأن الأرض مُلئت جوراً وظلماً، وهي منشورة في رسائله "الإمارة والبيعة والطاعة" و "مختصر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، وغيرها، وهي الحركة التي استحلت الحرم المكي في أول يوم من عام 1400هـ لتدشن مرحة جديدة من الحراك الإسلامي داخل المجتمع السعودي، ولتصبغ كافة جوانب الحياة السعودية بفكر ديني جديد.

وبسبب الطفرة الاقتصادية، وتحولات المجتمع السعودي إبانها، وتوسع المعطيات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، كان قد تشكل خطاب ثقافي مغاير للتوجه الأصولي تزامن مع تمظهرات الطفرة على الواقع السعودي رغم أنه لم يستطع النزول إلى طيات المجتمع ليعيد تشكيل رؤاه الثقافية والاجتماعية وبقي محصورا في الأوساط الثقافية لاغير.

تمثل ذلك في عدد من المثقفين الشباب، الذين دخلوا في المجال الثقافي من بوابة الأدب والنقد، والبعض منهم كان له اتصال بالثقافة خارج الحدود السعودية حيث تلقى تعليمه العالي في الغرب، وعاد محملا ببعض الرؤى التي يمكن اعتبارها صدمة ثقافية على المجتمع، الذي لم يشهد تحولات عنيفة يمكن لها أن تستوعب هذه المتغيرات الثقافية، التي أتى بها بعض شبابه المثقف من الخارج، والذي عرف حينها بفكر "الحداثة"، وإن كان مقتصراً على الجانب الأدبي والنقدي منه، ولم يرتقِ إلى جانبه الفكري أو الفلسفي، كما لدى الآخر الغربي.

إلا أنه شكل هزة عنيفة في الوجدان الجمعي، ومنعطفاً حاداً في الرؤية الثقافية لدى جيل عريض من أبناء المجتمع السعودي، وقد كان أكثرهم متصلاً بالصحافة أكثر مما جعل لهم موجة ثقافية صادمة سببت لهم نوعا من الهجوم الفكري المضاد لما يكتبونه من أعمال أدبية أو شعرية، تمثل بهجوم في الصحف والمحاضرات الدينية، والكاسيتات الصوتية، وعلى منابر الجمعة والمؤلفات السريعة ككتاب "الحداثة في ميزان الإسلام" للدكتور عوض القرني، وهو من رموز الفكر الصحوي، وقدم له رئيس إدارات البحوث العلمية والإفتاء الذي أصبح لاحقاً مفتي السعودية عبدالعزيز بن باز، وقد تم الاحتفاء بهذا الكتاب كثيراً، لأنه شنع على كل رموز الحداثة ومتداوليها في العالم العربي، أو ممثليها في الوسط الثقافي السعودي.

وساد المجتمع السعودي تصور من الهجوم العنيف بأن هؤلاء الحداثيين كانوا علمانيين وملحدين وغير ذلك من الأوصاف؛ إضافة إلى أن هذا الخطاب الثقافي لم يكن خطاباً مبنياً على رؤى فكرية قوية تؤسس لمشروعية تواجده الثقافي داخل المجتمع، مما جعل هذه الموجة الثقافية ـ إذا صحت التسمية ـ تنحسر سريعاً ليبقى الخطاب الأصولي مستفرداً على الساحة المجتمعية.

ومع تفرد الصحوة الإسلامية في الساحة السعودية، بدأت أمواج الشباب السعودي في الانخراط في فكر الصحوة لتعيد صيغة المجتمع وفق الأجندة الفكرية والسياسية التي عملت عليها الصحوة منذ تشكلها على يد "الإخوان المسلمين" القادمين من مصر، ومنهم محمد قطب أخو سيد قطب، والذي كان له أثر كبير في فكر العديد من المشايخ السعوديين، ومن سوريا منهم محمد سرور، والذي تأثر بأفكاره العديد من شباب الصحوة ليتكون"التيار السروري" أو ما يسمى "السلفية الجهادية".

برز من تيار الصحوة الإسلامية العديد من المشايخ الذين كانت لهم بعض الرؤى السياسية المتشددة في نظر البعض وتوسع حجم الخطاب الصحوي بعد الحرب الأفغانية/ السوفييتية في الثمانينيات الميلادية من القرن العشرين ومع انتهاء الحرب، تفشت الروح الجهادية في الأوساط الدينية الشبابية، لتأتي أحداث حرب الخليج عام 1990 حيث جنح الخطاب الصحوي إلى التشدد مع قبول الاستعانة بالأجنبي، ونقد الدولة ليأخذ الخطاب الصحوي شكله العنفي، وقد عبر عن نفسه ببعض البيانات الإصلاحية والمسيرات الصاخبة، وذلك قبل غياب بعض رموزه الفكرية في السجون وهروب بعضهم الآخر خارج البلاد.

وقد قام الدكتور غازي القصيبي بنقد الخطاب الصحوي فترة التسعينيات، باعتبار أنه خطاب يحاول أن يؤسس لفكرة الدول الإسلامية على غرار دولة ولاية الفقيه، التي قال بها من قبل الإمام الخميني في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وقارن بين فكر الصحوة وفكر الخميني حتى في طريقة وسائل نشر الفكر (الكاسيت الإسلامي) كنوع من السجال الثقافي بينه وبين رموز الصحوة، لينحسر المد الصحوي مع غياب رموزه لسنوات عديدة.

مما سمح بتشكل خطاب جديد من داخل المنظومة الصحوية الإسلامية صدمتها، أحداث السنوات الماضية، والناتجة من تشدد التيار الصحوي من تشدد قاد البلاد إلى نوع من العنف، الأمر الذي استوجب عملية إصلاحية تهدف إلى العمل على التوازن بين الرؤية الدينية والمتغيرات الدولية أو مايسمى بتيار "الإصلاح الديني"، أو كما يسميه البعض "الخطاب الليبروإسلامي" كونه خطاباً مفتوحاً من الداخل الإسلامي.

على المستوى الشيعي، فإن إشكالية التمييز الطائفي والسياسي فرضت نوعاً من الانكفاء الذاتي لأبناء الشيعة في السعودية لفترة طويلة، في حين كان إحساس الحرمان يشي بنوع من التململ لدى الداخل الشيعي والتطلع إلى وضع أحسن، "وحتى سبعينات القرن العشرين كانت المناطق الشيعية تعاني من انعدام البنية التحتية الملائمة والخدمات العامة... وفي عقب ما يعرف بانتفاضة محرم 1400هـ بدأت الدولة بتحسين الظروف المعيشية للشيعة".

إضافة إلى أنه كانت قد "بدأت المنظمات الإسلاموية الشيعية بالبروز في المنطقة الشرقية خلال سنوات السبعينات التي تسارعت وتيرتها مع قيام الثورة الإيرانية عام 1979. وبدافع من غضبهم على وضعهم السياسي والاجتماعي وحماستهم التي أوحتها تلك الثورة، قام آلاف من الشيعة بالاحتفال بذكرى عاشوراء، رغم الحظر الرسمي. ردت الحكومة على ذلك بقوة مما أدى إلى مواجهات عنيفة وثورة ... ولم يبق في السعودية سوى قليل من الناشطين الشيعة... معظمهم فروا إلى سوريا وإيران وبريطانيا والولايات المتحدة، وبحلول أواخر الثمانينات؛ كان العديد منهم قد اعتدلوا في آرائهم ونأوا بأنفسهم عن الأجندات التي تنهج خط الخميني وأخذوا ينادون بمبادئ الديمقراطية والتعددية السياسية. وفي عام 1993 توصلت الحكومة إلى اتفاقية مع الناشطين المنفيين عاد على أثرها الكثير منهم، وقد توخوا، حتى عهد قريب، البقاء نسبياً في الظل".

هنا كانت نهاية التسعينات الميلادية تشي بكمون الخطابات الأصولية: سنتها وشيعتها. وتتسم هذه الفترة بمرحلة تصالحية أكثر من سنواتها الماضية إذ بدأت بعض التكنولوجيا العصرية تدخل أكثر وتؤثر في الشباب لتقوم بعض الحوارات بين الإطراف المختلفة على صفحات الإنترنت إضافة إلى نقد بعض المتحولين من الخطاب الديني إلى الخطاب الليبرالي، للخطاب الذي كانوا يستندون إلى مرجعيته؛ ليدشن كل ذلك مرحلة جديدة كانت لها سمات مغايرة، وفيها نوع من التجاوز- إذا صح التعبير- عما كانت عليه الأوضاع فيما سبق فرضتها أحداث القرن الميلادي الجديد.