إيران... ألاعيب التمهيد للمهدي المنتظر

غواية العقل

لندن- اُتخذت فكرة المهدي المنتظر، عند الشيعة والسنة، في الثورات ضد السلطات، وكذلك من قبل الحُكام، ففي العهد الصفوي كان الشاه نائب عن الإمام بتفويض من رجل الدين، وظهرت مئات الشخصيات عبر التاريخ تتدعي أنها المهدي المنتظر، ثم جاءت فكرة التمهيد لظهوره، والتي تتيح قيام أحزاب دينية، وهذا ما ظهر بين الإسلام السياسي الشيعي، على وجه الخصوص. وأن كثرة الفساد يُعجل بظهوره، لهذا ظهرت جماعة في إيران اسمها الحجتية، وظهرت جماعة في العراق تحت مسمى السلوكيين، وكلها تتخذ من الفكرة سبباً لوجدوها.

ما يثير الاستغراب عادة فكرة المهدي قوية في إيران، على أن الحكم الحالي، الممثل بالولي الفقيه، هو تهيئة لظهوره أو التعجيل به، ولم يكن قول أحمدي نجاد في الأمم المتحدة اعتباطياً، إنما قوله في ظهور المهدي القريب فيه تاكيد على سياسة الدولة الإيرانية، التي تضرب العقل عرض الحائط، وتشير إلى أنها محمية بأتباع المهدي وظهوره القدسي.

الحث على التمهيد بالمظاهرات

في هذه الآونة دعا رجل دين إيراني، ويدعى آية الله علي سعيدي، خلال كلمة ألقاها في تجمع بمدينة بوشهر (جنوبي البلاد) النظام الإيراني إلى استخدام المظاهرات والمسيرات تمهيداً لظهور المهدي المنتظر، كما طالب بتحويل "دعم القضية الفلسطينية والوقوف بوجه أميركا" إلى وسيلة تمهد هي الأخرى لظهور "إمام العصر". ومعلوم أن سعيدي أحد ممثلي المرشد خامنئي.

وفي هذا السياق، نقل موقع وكالة أنباء "تسنيم"، القريبة من الحرس الثوري، أقوال سعيدي التي ألقاها السبت الماضي حيث لاحظ أن "الاستعداد الفردي والمسيرات ودعم القضية الفسلطينية والوقوف بوجه أميركا والجهوزية الداخلية والإقليمية والدولية كلها أدوات يجب استغلالها بغية فتح الطريق لظهور المهدي المنتظر".

ولم يقدم المسؤول الإيراني أي توضيحات إضافية حول كيفية استغلال هذه الوسائل بهدف "تعجيل" ظهور "إمام الزمان"، أي المهدي المنتظر، الذي بدأت غيبته الكبرى - حسب الروايات الشيعية الاثنا عشرية - منذ 4 شوال عام 329 للهجرة والتي سبقتها الغيبة الصغرى بـ72 عاماً.

على صعيد آخر أطلق آية الله علي سعيدي العام الماضي تصريحات تربط بين العقوبات المفروضة على طهران والمهدي المنتظر، معتبراً الحظر الاقتصادي الذي ألمّ بالحياة المعيشية للإيرانيين مقدمة لظهور المهدي المنتظر. كذلك صرح عبدالله حاجي صادقي، نائب علي سعيدي، في ممثلية المرشد الأعلى بالحرس الثوري مؤخلراً، في مدينة قم: "ينبغي على الجمهورية الإسلامية الإيرانية أن تأخذ على

قرب ظهور المهدي

في غمرة ثقافة التمهيد لظهور المهدي المنتظر صرح أمين مجلس صيانة الدستور الإيراني آية الله أحمد جنتي، إنه "تم التمهيد لظهور المهدي المنتظر ويجب أن نستعد للامتثال إلى أوامره. وأضاف جنتي خلال اجتماع حكومي أوردته وكالة "إيسنا" يوم الاثنين "المهدي لن يتخلى عن أصدقائه وأنصاره، يجب أن ننتظر ظهوره".

بينما مجلس صيانة الدستور، الذي يرأسه جنتي، يُعد أعلى سلطة خاضعة لمرشد الجمهورية بشكل مباشر، ومهمته النظر في أهلية المرشحين لجميع الانتخابات التي تجري في البلد والتصديق على تطابق القوانين التي يقرها مجلس الشورى مع الشريعة. ولنا تصور الكارثة في العقل.

من جانبه توقع الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد في آخر تصريحاته "المثيرة للجدل"، قرب ظهور المهدي المنتظر، الإمام الثاني عشر الغائب حسب الرواية الشيعية الإمامية. وقال نجاد ردا على طلب تقدم به الحضور ليرشح نفسه بعد 4 أعوام لخوض الانتخابات الرئاسية المقبلة: "سيظهر المهدي المنتظر بعد أربع سنوات ويصلح العالم بأكمله".

وكانت تأكيدات الرئيس الإيراني السابق على ضرورة تهيئة الظروف لظهور المهدي والتلويح بالارتباط به وحديثه حول كيفية الاتصال بـ"الإمام المهدي" في "عصر الغيبة الكبرى" أثارت سخط وغضب الكثير من رجال الدين المقربين من المرشد الأعلى علي خامنئي الذي كان منح أحمدي نجاد دعما لا محدودا.

وعشية الانتخابات الرئاسية الإيرانية المصيرية بالنسبة للأجنحة المتصارعة على السلطة، أثارت تصريحات وزير الاتصالات وتقنية المعلومات، اللواء محمد حسن نامي، الاستغراب حين وعد باستخدام شبكة الإنترنت لبث صوت وصورة "المهدي المنتظر" الذي يبشر به المذهب الشيعي "الاثناعشري".

وكتبت الصحافية الإيرانية، نيوشا صارمي، على موقع "روز أونلاين" تقول: "بلغت الضجة التي أثارتها هذه التصريحات درجة أرغمت الوزارة على إصدار بيان لتقديم إيضاحات حول هذه التصريحات، إلا أنها عمدت إلى التبرير الديني والعلمي بهذا الخصوص، حيث قيل إن عملية البث سوف تتم باستخدام تقنية حديثة تعد أكثر تطوراً من تقنية الألياف الضوئية".

وحسب وسائل الإعلام الإيرانية، قال اللواء نامي: "اليوم ومع تطور التقنية التي تتفوق على الألياف الضوئية، يمكن استخدام طبقات الغلاف الجوي لنقل المعلومات الصوتية والتصويرية، وسيتم إرسال صوت وصورة سيدنا الإمام المهدي للعالم أجمع عبر هذه الطبقات الجديدة".

عبر وزارة الاتصالات!

هذا وأصدرت وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات الإيرانية، يوم الأحد الماضي، بياناً أكدت فيه تصريحات الوزير، وقدمت إيضاحات حول إمكانية تحقيق وعد الوزير جاء فيه: "يتكون الغلاف الجوي من سبع طبقات وهي التروبوسفير والثروموسفير والاستراتوسفير والأوزون والميزوسفير واليونوسفير والاجزوسفير والتي أشار إليها القرآن بالسماوات السبع".

وأضاف بيان وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات: "إن طبقة اليونوسفير فيها شحنة كهربائية جلبت انتباه المحققين، حيث يمكن استخدامها لنقل المعلومات الصوتية والتصويرية وحتى نقل الطاقة الكهربائية من نقطة إلى نقطة أخرى على الكرة الأرضية أو إلى الفضاءات الخارجية.

وأضاف "يقال إن سيدنا الإمام المهدي سيظهر بين الدرب والحجر في مكة المكرمة، وعندها سيسمع العالم بأسره صوته ويرون صورته، وقد يتم ذلك عبر طبقتي اليونوسفير والتروبوسفير".

يذكر أن اللواء نامي كان يشغل منصب معاون الأركان المشتركة ورئيس الهيئة الجغرافية للقوات المسلحة قبل تعيينه وزيراً للاتصالات وتقنية المعلومات في فبراير/شباط الماضي ويحمل شهادة "الإدارة الحكومية" من جامعة "كيم إيل سونغ" في كوريا الشمالية."

ماذا عند الظهور

معلوم أن تياراً واسعاً في السلطة الإيرانية وخارجها، ولا سميا في فريق أحمدي نجاد، يؤمن بأن نظام الجمهورية الإسلامية يخطط ويمهد الأرضية لظهور المهدي المنتظر، وقال الرئيس ذات مرة إن قائمة أعضاء حكومته موقعة من قبل المهدي المنتظر، وعندما نشبت خلافات بينه وبين المرشد الأعلى، توسل أيضاً بالمهدي المنتظر الذي يعد الإمام الثاني عشر لدى الشيعة الإمامية.

وفي عام 2010 كشف النائب في البرلمان الإيراني، علي رضا زاكاني على موقعه الإلكتروني "جهان نيوز"، وبعد خلافات ظهرت بينهما كشف عن مزاعم أعضاء حكومة الرئيس حول الارتباط والاتصال بالمهدي المنتظر.

وبما أن المرشد الأعلى للنظام، علي خامنئي من مواليد محافظة خراسان شمال شرق إيران، فقد لمحت مواقع حكومية إيرانية مراراً بأنه "شعيب ابن صالح" الذي سيقود جيش المهدي المنتظر القادم من خراسان حسب الروايات الشيعية.

وقامت أوساط حكومية بتوزيع مئات الآلاف من الأقراص الممغنطة تروّج أن المرشد هو "شعيب بن صالح"، ولكن إثر بعض الاحتجاجات في الوسط الديني على ذلك تم تغيير اتجاه الإشارات والإيحاءات من علي خامنئي إلى أحمدي نجاد على أنه هو "شعيب بن صالح"، حسبما ذكرته صحيفة "إيران" الحكومية.

واليوم وعلى الرغم من هذه المزاعم، يواجه الرئيس أحمدي نجاد، الذي كان يحظى حتى الأمس القريب بدعم قوي من قبل المرشد الأعلى للنظام، ضغوطاً كبيرة جداً من قبل المرشد والمؤسسة الدينية، نتيجة لإصراره على ترشيح نسيبه ورئيس مكتبه اسفنديار رحيم مشائي للانتخابات الرئاسية المقبلة.

يذكر أن رحيم مشائي اختار شعار "فليحيى الربيع"، ويقال إن الربيع هنا إشارة إلى المهدي المنتظر، وتقوم أوساط حكومية في فريق أحمدي نجاد ببث قصص حول اتصال مشائي بالمهدي المنتظر في الأوساط الشعبية، وخاصة في القرى والأرياف.

وسبق أن زعم رحيم مشائي الذي قد يرفض مجلس صيانة الدستور، غداً الثلاثاء، أهليته لخوض الانتخابات الرئاسية، قائلاً : "إن أهليتي عقدت في السماء، فأنا لست بحاجة لتأييدها من قبل مجلس صيانة الدستور".

وأضاف "البلاد تدار بطريقة من قبل الإمام المنتظر تجعل مجلس صيانة الدستور مرغماً على تأييد أهليتي". بعدها ألقت السلطات الإيرانية القبض على عباس غفاري، القريب من حكومة الرئيس محمود أحمدي نجاد، ونسيبه رحيم مشائي المعروف في الأوساط الإيرانية بـ"ممارسة السحر والشعوذة والارتباط بالجن"، بالإضافة إلى مزاعمه حول الاتصال بـ"المهدي المنتظر". ويروج بأن عباس غفاري "يقرأ المستقبل" ويقدم استشارات بهذا الخصوص لأعضاء في حكومة الرئيس محمود أحمدي نجاد، بحسب موقع "فرارو" القريب من المحافظين المعتدلين.

وكان موقع "شفاف" القريب من عمدة طهران محمد باقر قاليباف مرشح الانتخابات الرئاسية، نشر قبل فترة تقريراً حول عباس غفاري، ووصفه بأنه من "عبدة الشيطان". وسلطت وسائل إعلام إلكترونية تابعة للمحافظين المنافسين للرئيس أحمدي نجاد الضوء على "اقتراب بعض المسؤولين المنحرفين الحكوميين في السنوات الماضية من عباس غفاري "وزيارته في بيته أسبوعياً"، واتهماهم بأنهم "صاروا يرددون إلقاءاته" في خطاباتهم وتصريحاتهم.

ويطلق المحافظون المتشددون على أعضاء فريق أحمدي نجاد "حلقة الانحراف" وبالتحديد مستشاري الرئيس الثلاثة، "إسفنديار رحيم مشائي ومحمد رضا رحيمي وحميد بقايي"، في حين حظيت حكومة أحمدي نجاد منذ 2005 بدعم المرشد الأعلى اللامحدود، ووصفه آية الله خامنئي بالأقرب إليه من رفسنجاني، قبل أن يختلف معه في الأشهر الماضية لتشدد الهجمات ضده من قبل الموالين للمرشد.

ويتهم المحافظون المتشددون عباس غفاري بادعائه أنه حلقة الوصل بين التيار المنحرف (فريق أحمدي نجاد) وبين المهدي المنتظر من جهة والقوى الشيطانية من جهة أخرى، ويذكر موقع "عماريون" المحافظ أن عباس غفاري يحفظ القرآن وأقوال الإمام عليّ في نهج البلاغة في الظاهر، إلا أنه ينتمي إلى الشيطان في الباطن ويمارس "اصطياد الجن" منذ 20 عاماً ويحمل نجمة داود معه دائماً.