لبنان :..وستقبلون بـ 'المقاومة' في بيان حكومتكم!

اذا لم يتمْ ذكرُ المقاومة في البيان الوزاري فلا بيان وزاري. المعادلةُ سرّبها رئيسُ مجلس النواب اللبناني نبيه بري. المقاومةُ تعبيرٌ أبجديٌّ ولازمةُ البيانات الوزارية ولم يتغير شيءٌ يبرر اسقاطها في بيان حكومة تمام سلام. المقاومةُ ليست شعاراً لبنانياً يحظى بإجماع يقارعُ العالم. المقاومةُ شيعية في الشكل والمضمون، يلوّح بديمومة فرضها على اللبنانيين ما يُطلق عليه في لبنان بالثنائي الشيعي، حزب الله وحركة أمل، ولا خجل من مذهبية تلك الظاهرة، بل إمعانٌ في الفخر بالتمذهب باسم تلك المقاومة.

حزبُ الله يدينُ بالولاء للوليِّ الفقيه في إيران. الأمر ليس سرًّا أو ترجيحاً، بل معلّنٌ جهاراً لا تردد فيه. ولاءُ الحزب بهذا المعنى هو لطهران، يتسقُ مع خياراتها وينبض على إيقاعاتها. والحزبُ وفق تلك الحقيقة لا تهمُه الدولة اللبنانية وليست من أولوياته، وهي أساساً، وعلى لسان أمينه العام، ليست الدولة "القوية العادلة" التي يمكنُ أن ينضويَّ تحتها ويمتثل لشروطها. في ذلك يبدو حزب الله منسجما مع خطابه واضعاً جمهوره في صورة تلك العلاقة المفقودة بين الحزب والدولة.

مشاركةُ الحزب في مؤسسات الدولة لا تعني التسليم بهذه الدولة. المشاركةُ البرلمانية الحكومية هدفها تكتيكيٌّ لخدمة التوجه الأساسي للمقاومة، وفق أجندة طهران. هي مناورةٌ ثانوية يتمُ تفعيلها لرفد الجهد المقاوم ضد "العدو الإسرائيلي"، أو ضد الخصوم السياسيين "العملاء"، أو ضد "التكفيريين" في سوريا.ومبررات المقاومة لا تنفذ، ابتداءً من تحرير مزارع شبعا انتهاء بحماية حقول النفط مرورا بما تيسّر وتوفّر في كل موسم. والحزبُ صادقٌ في زعمه الزهد بالمناصب الحكومية والرسمية، ولطالما تمنن بالتضحية في هذا المجال. فرصيدُ الحساب والخسائر يقعُ في مواقع أخرى وفي دوائر أوسع حجماً وأرفع قيمة.

حزبُ الله ليس تياراً سياسيا لبنانيا تحرّكُه الهواجسُ اللبنانية، وليس حزبا عادياً يتحرى توسيع قاعدته التمثيلية من خلال أجندة داخلية مطلبية أو خدمية. الحزب، كينونةً وقدرةً وسلاحا، هو جزءٌ من منظومة إيران السياسية والعسكرية والايديولوجية، وأيُ حديثٍ محليٍّ عن مقارعة الحزب بأدوات لبنانية هو ضرب من ضروب الصبيانية السياسية ومثال للسذاجة المقلقة.

يحتاجُ الحزبُ لأن يكون لاعباً كاملاً في اللعبة السياسية الداخلية. يحتاجُ الحزب لغطاءٍ برلماني يرفدُه بغطاءٍ سياسي شرعي يحصّن من خلاله هيكله الميليشياوي العسكري، كما تعوزه المشاركة الحكومية لتحصين حركته بغطاءٍ سيادي يقدّمه جزءاً من المشهد السياسي العام للدولة اللبنانية لدى المجتمع الدولي. في ذلك التمرين يسهّلُ الحزبُ راهناً تشكيل الحكومة لما لتواجده داخلها من مزايا عاجلة، لكنه يتمسكُ بما اعتاد أن يفرضَه على البيان الوزاري، حتى لو أدى ذلك لعدم خروج البيان، ويالتالي عدم نيل الحكومة الثقة وتحوّلها إلى حكومة تصريف أعمال.

الحزبُ منسجمٌ مع خطابِه ولا شيء تغيّر كي يحيد عنه. العقدةُ الإيرانية مع العالم ما زالت عصيّة الحلّ، الضربة الإسرائيلية الأخيرة تُحرج الحزب وتربكُ أداءه، بينما التورط المستمر في الوحل السوري يزيده ضيقا. في ما هو ثابت وما هو متحوّل، يجدُ الحزب ملاذه الأمين: التمسك بذكر المقاومة في البيان الوزاري، وشنّ هجوم على رئيس جمهورية يتجرأ في الدفاع عن الدولة ضد "معادلة" اللادولة.

لم يصدّق الحزب يوماً أن اجماعاً لبنانياً كان يحيطُ بـ "مقاومة" الحزب. اللبنانيون أذعنوا للأمر الواقع في مسألةٍ لم يطلب أحدٌ رأيَهم بها. وحتى حينما كان الاجماع يتمّثل في مشاركة اللبنانيين، على اختلاف طوائفهم ومذاهبهم، في المقاومة، جرى إنهاء تلك "البدعة" بالقوة لصالح حصرية المقاومة بالشيعة، ثم بشيعة الحزب.المقاومة في البيان الوزاري، تعني إملاء طائفيا يُفرَض على بقية الطوائف. في ذلك رمزية هيمنة على كل أوجه الحياة السياسية في لبنان، لا يرى الحزب سبباً وجيها لفقدانها.

يتبارى خصومُ حزبِ الله في اطلاق المطالعات الفصيحة للدفاع عن منطقِ الدولة وشروط التعايش. يفتخرُ البعضُ في فضحِ أجندة الحزب وخططه، ويبرعُ بعضٌ آخر في التفقه الدستوري والتفذلك القانوني، لعلّ في ذلك افحامٌ لحجج الحزب وتبريراته. على أن في تمرينِ الخصوم ردُّ فعلٍ يائس على حيوية الفعل الذي يميّز حركة الحزب. والفعل عند الحزب عسكريٌ أمنيٌّ بامتياز، سواء في مربعاته الأمنية، أو في مستودعات صواريخه الملمّح بها دائماً، أو في قمصانه السود التي ترهب من يغفل قواعد هذا الزمان.

يبررُ خصومُ الحزب قبولَهم بالتعايشِ مع الحزب في حكومة واحدة، بأنه من أجلِ مصلحة لبنان واللبنانيين. الحزب لا يشاركهم تلك المرامي، وهو الذي يديرُ دولَته ويرى لبنان واللبنانيين في مزاج جمهوره وليس في مزاج بقية اللبنانيين. وبالتالي فإن الحزبَ غير محرج من تعطيلٍ آخر يضافُ الى كومة من ذلك تُضاف إلى رصيده. معركةُ الحزب الحقيقية ليست في السرايا والبرلمان وأروقة الوزارات. معركته الحقيقية تجري في سوريا، ففيها سرّ البقاء وترياق خلاصه. وفق ذلك، سنشهدُ اذعان الساسة لما يريدُه الحزب في البيان الوزاري، حتى لو جاءت الديباجة اللغوية حمالةَ أوجه محرومة من وضوح إعلان بعبدا وما شابهه.

تُنصتُ آذان الحزبُ بشغف إلى تلك الجلبة القادمة من أوكرانيا، أو إلى ما حمله بروجاردي إلى بيروت، أو ما يهمسُ به المرشدُ في طهران، أو ما تنقله أخبار الميادين في يبرود أو عما يشاع عن معركة اسقاط دمشق من الجنوب. في ذلك الانصات حاجة لتثبيت وظيفة المقاومة بشكل رسمي داخل وثائق الدولة اللبنانية ومؤسساتها، دون ذلك استقالة من تلك الوظيفة، أي استقالة من الوجود. لم يبق من المقاومة إلا ما يُذكر في بيان الحكومة، فكيف يمكن حرمان الحزب من الدليل الأخير على وجود تلك المقاومة؟