وطن للإيجار!

لا يزال يصرّ بعض اللبنانيين على تأجير بلدهم، وليس من دولة في العالم تسمح بتأجير سيادتها للغير ايا كان هذا الغير، او بوضع اليد عليها، قد يقول قائل، انه سبق لـ"لغريب" ان وضع يده لسنوات دونما اعتراض، وهذا صحيح، انما المستثمر "الوطني" اكثر ايلاماً.

الغريب "العثماني" خرج من لبنان ووقف اللبنانيون موحدين بوجهه، وساحة "الشهداء" - ولو تغير اسمها وشكلها الجميل - تشهد على مقاومة اللبنانيين ووقوفهم بوجه السفاح جمال باشا.

والغريب، مثل الاستعمار الفرنسي خرج من لبنان بقوة السلاح والارادة والوحدة الوطنية، وقدّم لبنان الشهداء والتضحيات لنيل استقلاله وسيادته.

*ملاحظة: "وهنا اذكر ان بيتنا احتله ضابط فرنسي ايام الانتداب، وبعد الجلاء تركوا البيت وبعض الاواني المستعملة في مكانها "نظيفة" ورحلوا، وبعد حوالي السنة ارسلوا عبر البريد حوالة مالية بقيمة (12,30 فرنك فرنسي)، بدل اشغال المنزل مع رسالة شكر واعتذار".

وبالعودة الى موضوعنا، فالمقاومة الفلسطينية التي اعتبرت ان طريق القدس تمر من جونية، وبفعل "اتفاق القاهرة" عام 1969، شكلت دولة ضمن الدولة، مما اثار حفيظة فريق من اللبنانيين، ولكنها ما لبثت ان دفعت ثمن مربعاتها الامنية غاليا، بسبب تجاوزاتها وبسبب مؤامرات "الاشقاء" عليها، مؤامرات "الاشقاء الممانعين" قديمة.

اما العدو الاسرائيلي الذي احتل ولم يزل يحتل اراضي لبنانية، فقد خرج مدحورا مهزوما في العام 2000، بفعل المقاومة ونضالها المتراكم من الكفاح المسلح الفلسطيني الى الحركة الوطنية اللبنانية الى الامام موسى الصدر وصولا الى حزب الله، وللتذكير فان مقاومة العدو الاسرائيلي بدأت قبل خمسين سنة.

ثم جاءت الوصاية "الاخوية" السورية التي دخلت لبنان عام 1976، على دم كمال جنبلاط والحركة الوطنية والثورة الفلسطينية، خرجت مهزومة على دم الشهيد رفيق الحريري ورفاقه، وعلى دم شهداء انتفاضة الاستقلال، اضافة الى دماء الاف الشهداء والمخطوفين والاف الذين عذّبوا على أيدي مخابراتهم من كل القوى اللبنانية والفلسطينية، وعلى دماء من استدعاهم!

السبب الذي يدفعنا لهذا الاستذكار، ان بعض اللبنانيين الذين لم يتعلموا من دروس الماضي، لا يمنحون غالبية الشعب اللبناني حتى "فرصة" نسيان كل هذا الماضي الاسود، بل نرى ان البعض يحتفل ويمجد ويؤلّه هذا الماضي.

البعض "مهووس" باستعادة تاريخه ومحطاته غير المشرّفة، والبعض مصر على نكء الجراح، فيما الجراح مشتركة بين كل اللبنانيين، ومن ليست على يديه "لطخات سوداء" فليرفع يده.

المشكلة، ان البعض لم يتعلم من دروس الماضي والأسوأ ان هذا البعض يصرّ على توريث اخطائه لاولاده ولمجتمعاته ولاحزابه، عجيب امر هؤلاء، يتظاهرون بالتسامح، وهم لا يزالون مجبولين بالأحقاد.

مرّ على لبنان رئيسان مميزان: فؤاد شهاب وميشال سليمان، الاول: شكّلوا حلفا ثلاثيا "طائفيا"، بوجهه لانه التقى جمال عبد الناصر في "خيمة" على الحدود اللبنانية ـ السورية، وحبذا لو شكّلوا حلفا "وطنيا" ضدّ تنامي "المكتب الثاني" الذي اساء الى الرئيس فؤاد شهاب اولا قبل ان يسيء الى اللبنانيين، بسبب ممارسته أبشع اشكال قمع الحريات السياسية والفكرية، لكنهم شكّلوا هذا الحلف "الطائفي" "لانه "تجرأ" على لقاء جمال عبد الناصر ولو في "خيمة"، وهذا ما "كفّر" الرئيس شهاب، نعم "التكفير" قديم في لبنان وهو ليس وقفاً على طائفة واحدة!

والثاني، الرئيس ميشال سليمان يُكفّر اليوم، ليس لانه لم يتمكن من اقرار الموازنة طيلة عهده وليس بسبب عجزه عن مواجهة التهرب الضريبي او المضاربات العقارية او حل ازمة السطو على الاملاك البحرية او عجزه عن اصلاح الادارة، او بسبب "تكدّس الأرصدة النقدية"، وطبعاً ليس بسبب خرقه للدستور او الخيانة العظمى، وحتماً ليس بسبب "مخالفة الدستور وقانون المحاسبة العمومية في الإنفاق" وليس لانه لم يقرّ سلسلة الرتب والرواتب للموظفين، واكيد ليس بسبب المرامل والكسارات والاعتداء على البيئة، والعجز اسبابه معروفة!

مشكلة الرئيس ميشال سليمان وجريمته الكبرى، انه لم يؤيد ذبح بشار الاسد لشعبه، ولم يؤيد خرق "اعلان بعبدا" الذي اصبح وثيقة رسمية في الامم المتحدة بعد اقراره بالاجماع من قبل كل القوى السياسة اللبنانية، ولم يقبل المشاركة العسكرية في الازمة السورية، وذروة الخطايا قبوله "هدية" بقيمة ثلاثة مليار دولار من المملكة العربية السعودية، لتسليح الجيش اللبناني، وهذه خطيئة لا تُغتفر، وكان عليه ان يعرف، ان تسليح الجيش والقوى الامنية على اختلافها هو "خط أحمر" لانه يشكّل في المستقبل، بديلا للسلاح الخارج عن سلطة الدولة.

نعم، خيمة الحدود اللبنانية ـ السورية كما قبول الهبة السعودية من المحرمات.

الفارق في "الجريمة"، بين "الخيمة" و"الهبة"، ان الاولى تعيد الى لبنان وجهه العربي المنفتح، و(الانفتاح عدو الانعزال)، ووقتها كان الانفتاح على العروبة من قبل فريق لبناني، جريمة سياسية، فيما الثانية اي "الهبة"، تشكل خطرين بالنسبة لفريق لبناني آخر: الانفتاح على السعودية التي تؤيد المعارضة السورية خيانة، وتسليح الجيش الذي يعتبر "مؤامرة" على المقاومة، يشكل خطراً "وجودياً".

ولا ندري كيف ان سياسة "النأي بالنفس" وعدم تورّط كل القوى السياسية اللبنانية في الازمة السورية، وهي سياسة الرئيس ميشال سليمان بامتياز، "يستجلب التفجير السياسي في لحظة التفاهمات"، فيما تعطيل تشكيل الحكومة لأكثر من عشرة اشهر وتعطيل الاتفاق على البيان الوزاري عبر استعمال "اللغة الخشبية" طبيعي ومبرر، فعن أية تفاهمات نتحدث؟

"الخشب" الذي يحمي لبنان اللبنانيين ويحرس السيادة ويعيد للبنان دوره وموقعه ويصون الحريات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، اغلى بكثير من "شوالات الذهب" الذي يفجّر لبنان ويحوّله الى دولة "فاشلة"، ويمنعه من تشكيل حكومة، اضافة الى انه يشتري ويستجلب التفخيخ والتكفير الى لبنان، اللبنانيون لا يريدوت "الذهب"، بل يريدون الاستقرار.

بعد اربعة عقود اذا خُيّر اللبنانيون بين خشب هونغ كونغ او ذهب هانوي، سيختارون الخشب، حتماً.

وذهب "الثلاثية" الذي سقط في سوريا، يذكرنا بذهب "الممانعة"، التي تذبح الشعب السوري.

واخيرا، علينا ان نعترف ان قضم الدولة لصالح الدويلات وقضم الجيش لصالح "الجيوش" الخاصة وقضم الامن لصالح "الامن الذاتي" وقضم السيادة لصالح الدول الاقليمية، يجعل من لبنان كيانا معروضا للإيجار، وبعد، عن اية "ثلاثية نتحدث؟

غريب امر هذا "الكورس" اللبناني الذي تربى على ايدي "البعث"، الم تتعب أياديهم من التصفيق لهذا النظام المجرم، الم تكلّ ألسنتهم عن التبجيل والمديح لهذا السجن الكبير؟

كان كمال جنبلاط يقول "اذهبوا عنا ايها الأشقاء (البعثيون) فقد سبق لكم ان كنتم ذئابا بعضكم على بعض، يرتفع فيكم جناح ليقضي على الجناح الآخر"، هم ذهبوا ولكن اشباحهم باقية.

الكورس اللبناني ذاته، يخوّن رئيس الجمهورية ويدعو لمحاكمته ونزع صوره، وعار بقائه في القصر، بعد ان اهان شرفه العسكري وعليه ان يرحل فورا، والتهمة: المسّ بالمقدسات، فيما يصفقون ويبجّلون ساكن "قصر المهاجرين" الذي يذبح شعبه!

وفي النهاية، لا عجب، ان يرى فريق من اللبنانيين، ان يوم 25 أيار يمثل عيدين: عيد المقاومة التي دحرت الاحتلال الاسرائيلي، وعيد نهاية عهد ميشال سليمان ونهاية احتلاله للقصر الجمهوري، فبأية حال عدت يا عيد؟