أوكتافيو باث كان جديرًا بما حلم به

ذكرى رحيله الثانية عشرة

"حين نحلم أننا نحلم، فهذه بداية اليقظة" (نوفاليس)

• دخول

روح قلقة متناثرة في قارات التأمل العميق، باحثة عن منابع الحياة داخل الجرح الذي لا ينتهي ولا يلتئم قليلاً، لشخصية فذة تفيض بالتفجر المستمر، والتوهج الشعري الذي لا ينطفئ في جنون الريح، وباحثة عن حرية الحقيقة، بين شجاعة الكلمة والعزلة التي تحيل الجسد إلى "مومياء" ذات عينين تتحركان بعصبية أمام صخب الصمت الذي يحدثه البحث عن تغيير ما في سكون هذا العالم الضائع. إنها روح الشاعر المكسيكي (أوكتافيو باث)، الحائز على جائزة (نوبل) للآداب لعام 1990، المولود في العام (1914)، والمتوفى في (20/4/1998).

• مقدمة قد تكون مهمة

لم يكن باث، الشاعر والناقد والكاتب الموسوعي، معروفًا لدى جمهرة المثقفين والأدباء العرب قبل حصوله على جائزة نوبل. تشير إلى هذا الباحثة د. نادية جمال الدين، والتي تضيف إلى أنها اكتشفته قبل فوزه بعشر سنوات، عندما حصلت على درجتي الماجستير والدكتوراه في تحليل أعماله. ولقد انكب النقاد والشعراء العرب، بعد فوزه هذا، على أعماله، وغاصوا فيها. وبالنسبة إلي، كنت قرأت له نصًّا، قام بترجمته د. أحمد المديني، بعنوان "عمل الشاعر"، نشر في مجلة كتابات معاصرة، كانون ثان، 1990، أي قبل عدة أشهر من فوزه بجائزة (نوبل)، حيث أدهشني النص كثيرًا، ودفني للبحث عن أعماله ما استطعت إليها سبيلاً.

• مراحل الإبداع الشعري

في العمر الشعري، يمكث الشاعر في عدة محطات - مراحل إبداعية أساس، يترك فيها آثاره التي تحمل سمات تلك المحطات- المراحل، من بداية عمره الشعري إلى آخر نقطة في آخر نص كتبه. وشأن (باث) شأن الشعراء الآخرين؛ حيث مر، بداية، في المرحلة الرومانسية التي "تظهر بوضوح في أعماله التي أخرجها في سنوات شبابه الأولى". ثم صبغ شعره بالصبغة السريالية، لكنه يصرح عن هذه المرحلة بأنها "مجرد تجربة قصيرة عابرة"، سرعان ما تخلص منها للانتقال إلى المرحلة الإبداعية الثالثة، وهي المرحلة التي "ظهرت بعد رحلته إلى الشرق، وتأثره بالأساطير الشرقية كاليابانية والهندية، ويكتب الكثير من القصائد التي يبدو فيها التراث الأسطوري."

وعلى الرغم من هذا، فإننا "لا نستطيع أن نطلق على (باث) أو شعره اسمًا من أسماء هذه المراحل الثلاث، لكن يمكن القول إنه اكتسب في كل مرحلة ما يحتاجه في صقل موهبته واحتفظ بشخصيته المميزة التي هي مزيج متجانس من كل هذه التجارب، مضافة إليها أصالته المكسيكية."

• هدف الشعر

لا يكتب الشاعر الحقيقي إلا كي يحقق عدة أهداف، يركزها في منطقة وعيه، وهذه الأهداف هي في مجملها الأحلام التي يسعى الشاعر لتحريرها من حالة الرسم الذهني إلى حالة التحقق الواقعي؛ سحرها الفطري، لهذا نرى أن التجربة الشعرية لديه هي في "نزع القارئ من اليومي" والعادي إلى الزمن الأصلي.

• الشاعر في المجتمع الحديث.. لا أحد!

مقولة (باث) في "القوس والقيثارة" بأن الشاعر "لا يتمتع بمكانة في المجتمع الحديث لأنه لا أحد!"، تكشف عن فقد المجتمع إيمانه بقدرة الشاعر، بشعره، على إحداث هزات جوهرية في بنائه؛ إنه المجتمع الذي أضاع ثقل الكلمة الدالة على الحقيقة من قاموسه الإنساني، وانساب، تائهًا، مع مظاهر تفجر النواحي المادية التي أبعدته عن شقه الروحاني الآخر، فانحسرت دوائر إنسانيته إلى أضيقها. وإن القول بأن "الشعر يحتل في عصرنا مكانة هامشية ليس كافيًا. لقد أصبح كل شيء هامشيًّا، وصار الاستلاب يمثل ظاهرة كونية." لكن الشعر يبقى دالة تؤشر على انكسارات العالم الحديث من داخله، وفجيعة الإنسان بنفسه فيه، وهو "الصوت الأساس لحقبتنا، لأنه صوت الاستلاب." لذا فإن على الشاعر الحقيقي، في هذا الحال، أن "يكون في قلب العالم، في مركزه"، لا أن يوازيه في سيره إلى المتاهة، ذلك "أن أفضل الشعر المعاصر هو الذي منحنا إحساسًا رهيبًا بالاستلاب، وهذه وضعية يتقاسمها جميع أبناء العصر."

• تتويج الكلمة وإعادة مجدها

ينحاز الشاعر الحقيقي إلى الإنسان وحريته في كل مواقعه في العالم الحديث. هكذا فعل شاعرنا، حيث أبدى "اهتمامه بموضوعات مطلقة مثل: الحب والزمن والوحدة"، حيث يعتبر "الشعر كإلهام، والكلمة كأساس للحرية الإنسانية"، تفتح وعيها، وتنقيه من شوائب جنون هذا العالم الذي يتعامل مع الإنسان تعامله مع الرقم المجرد، لأداء هدف محدد، هو خدمة قوى القمع والردع، وإبقائه في دائرة الاستلاب، يلهث دائريًّا للحاق بأدنى حاجاته الأساس، وبدون امتلاكها جميعًا.

لذا جعل (باث) الإنسان "همه الأكبر خصوصًا في عصرنا الذي يبتعد فيه الإنسان عن عالمه الفطري مجذوبًا نحو عالم آخر من الماديات، هو صانعه الأول." وهو، في هذا المقام الذي يطرح فيه وضع الإنسان الحديث، يقدم الحل الذي يعتقده لخروج الإنسان من تلك الدوائر التي تطويقه بالكبت والقهر، إلى عالم الحرية والانطلاق الإنساني، ويكون هذا في "العودة إلى تتويج الكلمة وإعادة مجدها"، وأن دور الكاتب في هذه المرحلة، هو المحافظة على "الأنا والآخرين"، حيث يولد الإنسان الناقد للمجتمع والحياة، وهي نقطة الانطلاق لأي تغيير وكل إبداع."

• وبعد...

إن الشاعر (أوكتافيو باث)، ومن خلال البحث عنه بين ركام أوراقه الكثيرة، وسطوره التي تمتد من قاع الجرح الإنساني إلى سراب الفرح، ومن خلال شاعرية تفيض على جنبات العطش؛ العطش الدائم لماء الينابيع الصافية، حيث الحقيقة التي لا يبرح أن يسعى إلى إخراجها من باطن الألم؛ ألم الجرح الذي تحاول القصيدة المتوهجة أن تغطي مساحاته المنتشرة في الجسد الذي يبحث عن "سراحه المؤقت"، وفي الروح التي تحلق مثل طائر لا تمكنه زلازل الأرض من الهبوط على شجرة الخلاص، أو على قطرة ماء من سحابة بخارية على صخرة بعيدة.