الطريق يصنعه المشي .. رحلة مع المخزنجي جنوبًا وشرقًا

سر ولعه بالرحلة

ظللت أتابع كتابات الدكتور محمد المخزنجي في أدب الرحلة من خلال هذه الاستطلاعات التي جاب فيها دولًا تمر بظروف سياسية ولحظات فارقة في تاريخها؛ "جنوب إفريقيا" وهي تتخلى عن ميناء "والفزباي" الذي اغتصبته لسنوات طويلة من "ناميبيا"، التي كان أبناؤها مضطرين إلى الحصول على جواز سفر وتصريح حتى يمروا بميناء بلدهم أو يدخلوه، و"البوسنة" التي كان وقف إطلاق النار بادئًا فيها بالكاد، و"ألبانيا" التي كانت علامة استفهام وبقعة غامضة في منطقة "البلقان".

وقد أسعدني كثيرًا أن يعكف المخزنجي على جمع حصاد استطلاعاته، التي أنجزها بتكليف من مجلة "العربى"، بين دفتي سفر ضخم صدر عن "دار الشروق" بعنوان "جنوبًا وشرقًا.. رحلات ورؤى".

وفي صدر تقديمه لهذا الكتاب يكشف المخزنجي سر ولعه بالرحلة: "السفر والترحال كانا بالنسبة لي غواية مبكرة جدًا، بدأت مع الطفل الذي كنته في مدينة "المنصورة"، مدينة نشأتي ومدينة قلبى، فقد كنت المحرِّض لأولاد حتتنا الفقيرة على الخروج في رحلة أسبوعية كل يوم جمعة، نستكشف فيها أطراف المدينة التي كانت بعيدة عن أقدامنا الصغيرة، وكان خيالى يزين لأتراب الحي هذا الخروج، في سمت رحلات بزاد من الطعام والماء القليل، وعصي لزوم الدفاع عن أنفسنا ضد مفاجآت الأطراف التي تستكشفها رحلاتنا، ثم كبرت الغواية مع تمردات المراهقة، بل شيء من بداياتها، فبدأتُ أخرج من المدينة إلى قرى المحافظة على ظهر قطار الدلتا الصغير بصحبة عدد قليل من أصحاب الطفولة، ثم جاءت الخطوة الأوسع، بالسفر فوق أسطح القطارات الكبيرة وفي كل الاتجاهات التي تشق هذه القطارات طريقها إليها".

ويتساءل: لماذا أسطح القطارات؟

وسرعان ما يجيب: "ليس بسبب الفقر حقيقة، فقد كان والدي صاحب ورشة كبيرة وكان كريمًا معي بما يفوق كرم الأثرياء مع أولادهم، لكنه كان غليان التمرد في عروق هذا العمر المشتعل، وكانت زاوية الرؤية للعالم من مكان مرتفع ومنساب الحركة ومفتوح كسطح القطار بالغة الجاذبية والفرادة، تجربة غريبة وثرية الإيحاءات وفاتنة المخاطرة، خاصة وقد كانت أسطح القطارات أرحب وأنظف، وأقل ازدحامًا مما هى عليه الآن.

ثم جاءت سنوات الكمون عندما صرت طبيبًا وملزما بالصورة النمطية للأطباء المهندسين المهذبين الذين لا يمتطون أسطح القطارات، وقد قلص هذا الكمون من غواية الرحلة عندي لسنوات، لأن الرحلة، على ما يبدو لي الآن، لم تكن سياحة، بل مغامرة وحياة، لكن فترات كمون الرحالة لم تطل كثيرًا، فقد لاحت لي فرصة نادرة لمغادرة نشوة أسطح القطارات إلى طيران الطائرات وإبحار السفن".

ولا يفوت المخزنجي أن يعرج على تجارب أخرى مع السفر في أرض الله الواسعة بدأت وهو فى الثلاثين من عمره "عندما جاءتني منحة لدراسة الاختصاص الطبي في الاتحاد السوفيتي السابق، وكانت طاقتي الجسدية لا تزال مفعمة بروح الولد الذي كنته في المنصورة فلم أفوت فرصة للسفر في أرجاء هذا البلد الذي كان هائلًا في تراميه، من شرق أوروبا إلى غرب المحيط الهادي، ومن بحر البلطيق شمالًا إلى البحر الأسود في الجنوب، لكن أجواء المجتمع المحكوم بمركزية ثقيلة وطابع بوليسي لم تتح لي متعة المغامرة برحابة، فلم ترسب في ذاكرتي غير رحلات مبتسرة إلى بطرسبرج وآلما آتا وأوديسا ودوشانبيه، لكن المغامرة الأكثر رحابة كانت هناك في محيط القرى والبلدات الأوكرانية التي تتمركز كييف في قلبها، وكانت هناك موسكو بالطبع، موسكو المدينة والأطراف، ولم تكن هذه كلها إلا خلفية في لوحة الرحلة في هذه المرحلة، لأن التكوين الأساسي في مشهدها كان على ظهر باخرة ركاب بيضاء اسمها (باشكيري).

دارت بي باشكيري البيضاء على امتداد شهر كامل في معظم موانئ البحر المتوسط، وبمائة دولار فقط لطلاب الدراسات العليا، هكذا كانت الدنيا في الاتحاد السوفيتي الذي اختفى واختفت أريحياته، فهذه السفينة كانت بمثابة فندق عائم، نأكل عليه ثلاث وجبات جيدة بما فيها مقبلات الكافيار بالزبدة، ونهبط كلما رست باشكيري على رصيف ميناء من موانئ المتوسط، بحيرة الحضارات العريقة الكبرى، نقضي يومًا أو يومين في كل مدينة ميناء، دون انقطاع عن حليب ومهاد سفينتنا الأم، ونزور: فارنا، وبيريه، وإسطنبول، ونابولي، وملقا، ومرسيليا، وطنجة، والجزائر، وتونس، والإسكندرية، ولارناكا، واللاذقية، ثم العودة، ولم ترسخ في ذاكرتي من كل هذه الموانئ غير ملقا الإسبانية، وطنجة المغربية، والجزائر، واللاذقية، وأكثر من الجميع كانت إسطنبول"، وهنا عرفت مكمن هوايتي، ومناط عشقي في هذا العالم، وهو ما أسفر عن نفسه بتهور عندما التحقت بأسرة تحرير مجلة العربي، وأثمر التحاقي هذه الرحلات التي يضمها هذا الكتاب".

وعلى صفحات هذا الكتاب التى تربو على خمسمائة صفحة يصحبنا المخزنجي إلى دول وممالك شتى؛ فنصعد إلى المطهر في "نيبال"، ونذهب إلى جزر المالديف.. التي يهددها المحيط، ونتجه إلى الهند.. بلاد المجوس ومعابد الفلوس، ونتأمل الباكستان.. المرفأ الذي يبحث عن مرفأ، ونتجول في لاوس.. حيث تضاريس من الجبال والأنهار والفيلة، ونجوب في ظلال الأبراج الذهبية في ميانمار، ونقصد فيتنام.. رأس التنين العائم، ونصل إلى الصين.. أنشودة الإبداع والبساطة، ونتردد على تركيا مأثرة البشر والحجر، في أكثر من رحلة، لنطالع فيها لوحة البحار الأربعة، ونتأمل في تعجب الزهرة التي تنبت في قلب الحجر، وفي سوريا نرسو على مرافئ الزمان في رحابة المكان.

وبعد تطوافه الطويل في أنحاء العالم يطرح المخزنجي على نفسه سؤالًا: "لو أتيحت لك الفرصة من جديد للترحال، فأي البلاد ستختار لزيارتها؟ وأي من بين هذه البلاد تود لو تعيش فيها إن قدر لك أن تختار العيش خارج مصر؟".

وتشى الإجابة بولع المخزنجى بالجنوب والشرق، فيقول: "أختار البلدان التي زرتها في إفريقيا وآسيا وجنوب وشرق أوروبا، وأختار لو أزور أميركا الجنوبية التي لم يكن لي حظ زيارتها.

باختصار.. لا أختار أميركا ولا الغرب كله، بل أختار الجنوب والشرق، وأهيم عشقًا ببلدات صغيرة في الجنوب والشرق أحب لو أعيش فيها، لو قدر لي أن أختار إضافة إلى المنصورة المصرية وحمص السورية: سواكا بوند بناميبيا، ومراكش بالمغرب، وسيم ريب في كمبوديا، وأور جوب في تركيا، وجايبور في الهند، ولوانج برابانج في لاوس، وفونيتسا بالبوسنة،... وهكذا.

ويكشف المؤلف النقاب عن سر آخر لولعه الدائم بالجنوب والشرق: "أرانا متخمين بالغرب، هذا الغرب الذي زرت كثيرًا من مدنه، جميلة نعم، متمدينة نعم، متقدمة نعم، لكنني لم أشعر فى أفضلها بالنسبة لي، كباريس وميونيخ، وكييف وفيينا، إلا بالاغتراب، بشعور أصم بارد يكاد يكون حاجزًا بينى وبين ناس هذه المدن الغربية، شيء أشبه بالحاجز الزجاجي الذي يحسه طبيب نفسي بينه وبين مرضى الفصام، ولا أعني طبعًا أن هذا الغرب ساحة للفصام والفصاميين، لكن أقصد هذه الطبيعة غير الدافئة تجاهنا ومعنا، وهى الشيء النقيض لطبيعة الناس في الجنوب والشرق الذين عشقت ترحالي في أرجائهما، ثم إن لي مراراتي الخاصة تجاه الغرب الذي لم يغادر الفترة الاستعمارية إلا إلى فترة استعمار جديد، نوع من الأنانية والاستعلاء الذين لا أستطيع إبعادهما عن خاطري وأنا أهيم ببساطة، ورقة حال، ومروحة ألوان الجنوب والشرق الطبيعية الخلابة، ثم إن لي رأيا ظل موضع خلاف مع بعض أصدقائي من المثقفين، هو أنني لا أرى كل مدنية حضارة، فالحضارة هي سمت إنساني حي، يتعلق بروح البشر واختياراتهم المتآخية مع جماعاتهم ومع بيئاتهم، والمسالمة مع آخرين، وعدم تمييز الذات، والنفور من استغلال الغير أو استعمار بلاد الناس، هذه كلها سمات للحضارة كما أحسبها، وهي ما أراه غائبًا عن حقيقة مدن الغرب فائقة التمدين، وما يشابهها خارج الغرب، وإن كان ينحو منحاها، فتل أبيب مثلًا مدينة بالتأكيد متمدينة، وربما فائقة التمدين، لكنها مدينة أبعد ما تكون عن الحضارة في أبعادها الإنسانية، بل هي وما يدبر فيها مدينة معادية للإنسانية، ومتناقضة مع أهم ما في روح التحضر، وعلى شاكلتها كل المدن العواصم التي تغض الطرف عن إجرامها اللاحضاري، ناهيك عن أن تدعمه.