الدِّين ... إصلاحات الكنيسة وأحزابنا الثورية

مؤسساتنا الدينية بحاجة إلى نهضة قرينة

لابد من القول إن الأديان، والمشاعر الدينية تركت آثاراً كبيرة في سلوك البشر وتطلعاتهم وأساليب تفكيرهم، وبمرور السنين صارت المؤسسات الدينية وخصوصاً التي تجمع ابنائها بكتاب مقدس، وكانت ادوات فاعلة للتغيير والتقدم الحضاري... إلاّ انها صارت بتعاليمها والزاماتها على تابعيها وفروضها عليهم، قيداً على التقدّم الحضاري و الفكري، رغم استمرارها بتشكيل الأمل للضعفاء والمحرومين من بني البشر، ونداءً للعدل والإحسان رغم استغلالها من أشرار ومحاولتهم جعلها وسيلة للوصول إلى سلطة الحكم و المال.

لقد شهدت الأديان حركات متنوعة للإصلاح والتطوير، من أجل أن تحافظ على موقعها القديم في المجتمع و من اجل الاحتفاظ بمكانتها بين الشباب خاصة، من الذكور والإناث كإحدى مراكز الجذب والتوجيه، وكي لا تفقد دورها التأريخي في المجتمع، واتخذت خطوات هامة على طريق الانفتاح بين الاديان و الاصلاح الانساني الذي اتخذ اشكالاً و طرقاً متنوعة بالتناسب مع المرحلة التأريخية ومتطلباتها، وقوانين البلد المعني وتوجهاته.

و كان منه ما تمّ في المرجعية اليهودية، التي قررت في نهاية القرن العشرين السماح للمرأة اليهودية ـ مرجع النسب اليهودي ـ بالزواج من غير اليهودي، الامر الذي حدث مع عرب فلسطين المسلمين ومع المصريين وضاعف منتسبي تلك الديانة مرّات كثيرة، وسبب استنكار المجاميع اليهودية المتطرفة، وسبب تعقيدات للبيوتات الدينية القديمة الاسلامية وخصوصاً للأزهر لأن المواليد الجديدة تعتبر يهوداً لمرجعيتهم الامومية اليهودية ومسلمين لمرجعيتهم الأبوية الإسلامية في الوقت نفسه. إلاّ انه كسر كثيراً من حواجز التعصّب والتعنّت الديني بين الجماعات المتعصّبة من الديانتين، على طريق السلام والتآخي و ضد الحروب.

و فيما يجمع الخبراء على ان الكنيسة الكاثوليكية ـ قياساً بغيرها من الكنائس ـ تعتبر من اشد المؤسسات الدينية المتنوعة محافظة وتشدداً، حتى صارت المَثَلْ الذي يقاس به مدى الجمود العقائدي والفكري والتنظيمي الذي صارت تعاني منه احزاب تقدمية وثورية متعددة، ومنها عدد بارز من الأحزاب العمالية والاشتراكية والشيوعية، التي شكّلت المثل الأعلى للحركات الشعبية وللمناضلين من اجل الحرية و العدالة لمرحلة تأريخية كاملة بارزة.

إلاّ ان جمودها الفكري و العقائدي اضافة الى الضغوطات والضربات القاسية التي تلقّتها من الحكومات الدكتاتورية، جعلها تبتعد عن نبض الشارع و عن واقع وآمال وطموحات شباب اليوم، كما في مجتمعاتنا الشرق أوسطية مثلاً.

فبعد سلسلة اصلاحات دينية وتحقيقات وعقوبات صارمة تجاه رجال الدين المرتشين والفاسدين وتجاه مرتكبي جرائم الاغتصاب بحق الفتيان، وغيرها وجدت الكنيسة الكاثوليكية نفسها بأنها ماتزال بعيدة عن نبض الشارع و بعيدة عن طموحات و أحلام الشباب رغم امتلاكها الثروات المالية الهائلة بين يديها، ورغم امتلاكها كفاءات ادارية نادرة، حيث تعتبر الكنيسة الكاثوليكية من اثرى المؤسسات والاحتكارات الثرية في العالم.

يبدو أن أختيار البابا فرانسوا ـ الكاردينال الأرجنتيني خوري ماريا برغوليو، قِبل اختاره المجلس الأعلى لكبار الكرادلة في الكنيسة الكاثوليكية، يبشّر بعهد جديد قد يخلّص منظومة و حجر زاوية عريق من المنظمات المحافظة المتشددة في العالم، وسيطلق نسيماً منعشاً من اجل التغيير والحداثة التي يحتاجها عالمنا وشعوبنا اليوم، فعهده بدأ بتغيير جاد في منظومة كاملة من الاحكام و المعتقدات الراسخة في الديانة الكاثوليكية، التي أجملها بقوله: "إنَّ الأديان جميعاً صحيحة، وإنَّ ـ الحقيقة الدينية ـ تتغيَّر وتتطوَّر، بل وإنَّ الرَّبَّ نفسه يتغيَّر ويتطوَّر..."على حد قوله. كما أفتى، بأنَّ بعض أجزاء الإنجيل صارت قديمة وعفى عنها الزمان.

يرى مراقبون والذين يتابعون بدقة نشاط البابا فرانسوا و اقواله كزعيم لأكبر مؤسسة محافظة في العالم.. أقواله التي تعتبرها ملايين مؤلفة في العالم نصوصاً مقدسة، يرون بانها تدلّ على بدء ثورة أو حركة إصلاحية دينية جذرية شاملة قد لا تَقِل أهميةً عن ثورة مارتن لوثر في زمانه، بل ويرى عدد كبير آخر منهم أن تأثيرها سيمتد إلى الأديان السماوية الأخرى، لأن الكثير من المعتقدات الجوهرية المشترَكَة بين هذه الأديان هو المستهدف بالهدم (وإعادة البناء) الذي يقوم به و يعمل بضوئه بابا الفاتيكان اليوم.

صرّح المكتب الاعلامي للفاتيكان بأن البابا قد أكتشف بـ البحث الروحي، التأمُّل والصلاة، بـ"أن جهنَّم هي تعبير عن الروح المعزولة، التي ستتَّحِد في آخر المطاف، كالنفوس جميعاً، في محبَّة الله. فحتى اللاديني فاعل الخير يراه البابا مؤمناً بالله، فالملحد على ما اكتشف البابا، يكفي أنْ يعمل الخير حتى يكون مؤمناً بالله، وإنْ أنكر ذلك بقوله ولسانه".

يضيف"بأن كل الأديان صحيحة وعلى حق، لأنَّها كذلك في قلوب الذين يؤمنون بها"، الذي يراه اعلاميون بأن ذلك يعني أنَّ الإسلام مثلاً في دعوة البابا الجديد، دين صحيح و صحته تكمن في المعتقد الاسلامي نفسه، وفي كَوْن المسلمين يعتبرونه صحيحاً؛ فـفي القلب يستوطن الرَّب، ومعه تستوطن الحقيقة، فإذا آمن قوم بما تعتقده قلوبهم و عملوا الصالح من الأعمال، فهذا الإيمان صحيح. وبذلك فإنَّ البابا يُوسِّع ـ نسبية الحقيقة ـ بمفهومها المادي والآينشتايني، ليجعلها تشمل أيضاً ـ الحقائق الدينية ـ فـالحقيقة بمفهومها البابوي الجديد، ليست ما يفكِّر فيه موسوليني الآن مثلاً، وإنَّما ما تؤمن به، وتعتقده "القلوب".

إن قَلْب اليهودي يقول له: إنَّ اليهودية هي الدين القويم، وقَلْب المسيحي يقول له: إنَّ المسيحية هي الدين القويم، وقَلْب المسلم يقول له: إنَّ الإسلام هو الدين القويم. أمَّا البابا فرانسوا، وعملاً بمبدأ "نسبية الحقيقة"، فيقول: إنَّكم جميعاً على صواب، وإنَّ الأديان جميعاً صحيحة، وعلى حق.

مهند البراك

كاتب عراقي