تجديد الأزهر ... كيمياء وطبيعة إلى جانب الدين

أول نشأته اقتصر على تدريس فقه آل البيت من وجهة نظر الفاطمية

مما لا شك فيه أن إصلاح المؤسسة الدينية مشروعٌ ليس سهلا، ومن المبالغة القول أن محمد عبده قد أنجز مشروعه في إصلاح الأزهر، فالأزهر مازال يحتاج إلى إصلاح، ويظل الجدل ساخنا حول تطوير مؤسساته ومناهجه ودوره حتى اللحظة الحاضرة، ودائما ما وقف أهل الجمود والتقليد من شيوخ الأزهر لدعوة إصلاحه بالمرصاد.

كانت الوظيفة التعليمية للأزهر قد بدأت عقب الانتهاء من بنائه بسنوات قليلة، حين جلس أبو الحسن بن النعمان قاضي القضاة ليتحدث في «فقه آل البيت»؛ فإن أول محاولة حقيقية لإصلاح التعليم الأزهري انتظرت أكثر من ثمانية قرون. فقد تمت أولى محاولات تجديد وإصلاح الأزهر أيام تولي محمد العروسي المشيخة، ليكون الشيخ الرابع عشر في قائمة شيوخ الأزهر، وقد تولاها بين عامي 1818 و1829، حيث سعى إلى إدخال علوم الطب والكيمياء والطبيعة، لتشكل جزءا من المناهج التعليمية للأزهر، لكن سعيه خاب، نظراً إلى عدم اقتناع القائمين على الأمر وقتها بأن الأزهر يمكنه أن ينتج تعليما وعلما خارج الدين. ولما جاء من يقتنع بالفكرة مات العروسي، فدفنت معه مؤقتا.

ثم أعقبته محاولات الشيخ حسن العطار، الذي تولى مشيخة الأزهر في الفترة بين 1830 و1834، ويعد العطار لبنة جديدة في بناء وإصلاح التعليم الأزهري، استغل علاقته المتوازنة مع محمد علي، من جهة، وسعة اطلاعه من جهة ثانية.

استفاد العطار مما خلفته الحملةُ الفرنسيةُ من علوم، ومن رحلاته إلى أوروبا وبلاد الشام، في سعيه إلى إصلاح الأزهر، وكانت الثمرة إنتاج جيل من رواد النهضة المصرية الحديثة، ممن تتلمذوا على يد العطار، وفي مقدمتهم رفاعة رافع الطهطاوي، ومحمد عياد الطنطاوي الذي سافر للتعليم الديني في روسيا، واستقر هناك حتى وفاته.

ثم كان دور الشيخ المهدي العباسي الذي يعتبره محمد عبده الأهم بين المشاريع السابقة عليه، وفيه صدر قانون عام 1872، لتنظيم حصول الطلاب على شهادة «العالمية»، وتحديد المواد الدراسية بإحدى عشرة مادة زاوجت بين العلوم الدينية والأدبية، إذ حوت الفقه والأصول والحديث والتفسير والتوحيد والنحو والصرف والبيان والبديع والمعاني والمنطق.

ولكن تظل قيمة ودور الشيخ محمد عبده في إصلاحه غير منكورة، فقد فتح الباب، وأسس الأسس من أجل إصلاحه، واضعا الكثير من البذور وراعيا الكثير من الثمار قدر استطاعته، ومجرد ملامسة هذا الأمر خطر غير يسير. وقد هرب منه الزعيم الكبير سعد باشا زغلول نفسه وهو من هو، من شعبية وقوة في الشارع السياسي المصري، حين سعى إليه تلميذ الإمام السيد محمد رشيد رضا طالبا منه أن يولى إصلاح الأزهر أهميته.

القصة أن السيد رشيد رضا (1282-1354هـ/1865-1935)، حاول إغراء سعد زغلول باقتحام ميدان الإصلاح للأزهر، لفتح باب النهضة، قائلا له: "إنني سمعتك مرارا تقول: إنه لا يرضى نهوض المسلمين إلا بإصلاح ديني وفاقا لما كان يقوله شيخنا الأستاذ الإمام، وأستاذ الجميع حكيمنا جمال الدين الأفغاني، وتستدل على ذلك كما كانا يستدلان بأن أوروبا لم تتمكن من النهوض المدني العلمي إلا بعد القيام بالإصلاح الديني، الذي دعا إليه لوثر (1483-1546) وأقرانه، إذ ما دام المسلمون يفهمون الإسلام فهما خرافيا، أو يلبسونه كالفرو مقلوبا كما قال سيدنا علي كرم الله وجه فلا يرجى أن يصلح لهم شأن في علم ولا عمل".

فقال سعد زغلول للشيخ رشيد : "نعم، ما أزال أرى هذا، فالترقي المدني مع المحافظة على الإسلام يتوقف على الإصلاح الديني الذي تترك به الخرافات والأوهام"، فقال الشيخ رشيد: "إذن لابد أن تعمل في سبيل هذا الإصلاح شيئا، ولديك الأزهر"! فقال سعد زغلول: "لا، لا، إذا كان شيخنا محمد عبده لم يقدر على إصلاح الأزهر، فماذا علي أن أفعل أنا؟" وهكذا ... أعلن سعد زغلول، وهو زعيم الأمة، عجزه عن الاقتراب بالإصلاح من ساحة هذا المعهد العتيد.

ولقد ظلت الحال على هذا النحو حتى تولى مشيخة الأزهر الشيخ محمد مصطفى المراغي (1298-1364هـ/1881-1945) في سنة 1928، أي في العام التالي لوفاة سعد زغلول، فكانت بدايات الثورة الإصلاحية للأزهر الشريف، على يد الشيخ المراغي.

من أهم مبادئ إصلاح الأزهر عند الشيخ محمد عبده استقلاله عن الحكومة، ورفضه تدخل الأخيرة فيه، فيرد على تلميذه الشيخ رشيد رضا حين دعاه لمطالبة الحكومة بالتدخل لتنفيذ قرارات رفض شيخ الأزهر تنفيذها قائلا: "إن هذا لا يكون إلا بسلطة الحكومة، وإنني أرجو ألا أدع الحكومة تتداخل في الأزهر، مادمت فيه، فكيف أكون أنا الذي يدعوها إلى ذلك؟ فنحن ندعو الشيوخ بالإقناع معتصمين بالصبر".

إن واحدا من مبادئ إصلاح الأزهر، عند الشيخ الإمام محمد عبده، كان إصلاح المناهج التعليمية فيه، الذي كان مبدأ أساسيا في تصوره لإصلاحه، وهو ما يتضح في رده على أحد حين سُئل من قبل أحد أعضاء الأزهر مستنكرا عليه دعوته: "ألم تتعلم أنت في الأزهر؟ وقد بلغت من مراقي العلم وصرت فيه العلم الفرد؟" فكانت إجابته: "إذا كان لي حظ من العلم الصحيح الذي تذكر، فإنني لم أحصله إلا بعد أن مكثت عشر سنين أكنس من دماغي ما علق فيه من وساخة الأزهر، وهو إلى الآن لم يبلغ ما أريد له من النظافة".

كان جزء من إصلاح الأزهر عند الشيخ محمد عبده رفض التقليد، ففي حوار له مع الشيخ عليش، يسأله الأخير: "بلغني أنك تقرأ شرح العقائد النسفية درسا"؟! فأجاب الشيخ نعم! فقال الشيخ عليش -وهو من هو في الشهرة بالتعصب، فقد قاد مظاهرات من طلبة الأزهر هدم فيها المقاهي وحرم شرب القهوة في فترة من الفترات- سائلا الشيخ محمد عبده: "وبلغني أنك رجحت مذهب المعتزلة على مذهب الأشعري؟". فأجابه الشيخ محمد عبده: "إذا كنت أترك تقليد الأشعري فلماذا أقلد المعتزلي؟ إذن أترك تقليد الجميع وآخذ بالدليل".

لاقت كثير من جهود الشيخ محمد عبده نجاحاً، بعضها شاهدها بعينه، وبعضها قام بها تلاميذه شأن الشيخ محمد مصطفى المراغي، والشيخ مصطفى عبد الرازق، كما طرحت بعد فترة العام 1930 فكرة تحويل الأزهر إلى جامعة في عهد الشيخ محمد الأحمدي الظواهري (1929-1944)، حيث تم إنشاء ثلاث كليات هي أصول الدين والشريعة واللغة العربية، فلما جاء عام 1961، صدر القانون رقم 103، الذي بات الأزهر بمقتضاه جامعة، بعد أن أضيفت إلى كلياته الثلاث المذكورة كليات مدنية مثل الهندسة والطب والإدارة والزراعة والبنات، وقد كان ذلك في عهد الإمام محمود شلتوت (1958-1964).

وبعد الظواهري تبوأ مشيخة الأزهر صاحب التمهيد الشيخ الإمام مصطفى عبد الرازق (1945-1947)، الذي درس الفلسفة والآداب بجامعة السوربون، فزاوج بين ثقافة الغرب وتراث الإسلام، ولذا نادى بانفتاح الأزهر على الغرب، وشيد قاعة محمد عبده بالأزهر، لتكون ملتقى للمؤتمرات الدولية الإسلامية، وترجم بعض الكتب الدينية، وفي مقدمتها «رسالة التوحيد» إلى اللغة الفرنسية.

وواصل خلفه الإمام محمد مأمون الشناوي (1947-1950) ما أمكنه مسيرة عبد الرازق، حين أرسل نوابغ طلاب الأزهر لتعلم اللغة الإنجليزية، كي يصبحوا دعاة عصريين قادرين على مخاطبة «الآخر». أما الإمام عبدالمجيد سليم (1950-1951/1952-1954)، فقد انصب اهتمامه على تحرير الفقه من التقيد بالمذاهب، التي حاول التقريب بينها، ودعا إلى إعمال العقل في الأمور الدينية.

وبعد ثورة يوليو(تموز) 1952، حاول أغلب من تولوا مشيخة الأزهر تطويع رأي الدين لخدمة السياسات السائدة، فشلتوت أفتى بأن «القوانين الاشتراكية لا تتعارض مع الإسلام»، والدكتور محمد الفحام الذي تولى المشيخة في الفترة من 1969-1973، اعتبر أن الانقضاض على الاشتراكية بمقتضى ما أسماها السادات ثورة التصحيح عام 1971 هو «خطوة تأتي من أجل كفالة الحريات للوطن والمواطنين وسيادة القانون وبناء الدولة الجديدة».

في الختام قال محمد عبده في صعوبة التجديد: إن "المسلمين مصابون بالعقم، لا يموت أحد من أصحاب المزايا الكبرى والأعمال النافعة فيهم، ويخلفه مثله، على خلاف ما ترى في الأمم الحية.... إنني أرى في الشجرة الجرداء ورقات خضراء، فلا أدري أهي من بقايا الحياة الأولى، أم هي بدء حياة جديدة".