إشكالية الحلم الاميركي في 'مصرع بائع متجول!'

نقد مقوله الحلم الاميركي

ربما تكون (مصرع بائع متجول) من اهم المسرحيات التي انتجت في المسرح الاميركي حتى الان, وباتت تعتبر الى جانب مسرحيه جين اونيل (رحلة طويلة فى الليل!) ومسرحية تينيس وليمز(قطة على سطح صفيح ساخن!) من اهم الاعمال الدراميه الاميركية عبر العصور.

كما تشكل مسرحية (مصرع بائع متجول) الى جانب مسرحيات مهمة مثل (من قتل فيرجينيا وولف؟) وسواها, مسلسلا من المسرحيات التي كتبت في اربعينيات وخمسينيات القرن الماضي. التي قامت بنقد مقوله الحلم الاميركي, التي يمكن ان يلخص, بانه يتمحور حول قدرة الانسان في اميركا بجهوده الذاتية ان يصبح غنيا. ولهذ السبب فيما اظن, من الصعب ان تلتقي باميركي واحد ايا كانت مهنته لا يقول إنه من الطبقه الوسطى!

كتب ارثر ميلر المسرحيى العام 1949, المعروف ايضا الى جانب شهرته, انه تزوج من مارلين مونرو, وتوفي العام 2005. حصدت المسرحيه جائزه بوليتزر, ووضعت الكاتب على مستوى عال من التقدير.

كما من المهم الاشاره إلى ان ارثر ميلر يهودي. وفي ذلك الوقت وحتى عصور حديثة, كان اليهود في اميركا اكثر قربا لليسار، ولحركات التغيير. ولقد حدثت تغيرات كبيرة من حينها, ولعب التأييد لاسرائيل في اعتقادي دورا في هذا التغيير نحو اليمين.

القصه تتركز حول البائع ويلي لومان الذي يعود الى منزله مرهقا ولم يعد يستطيع ان يقود سيارته، أي انه لم يعد يستطيع العمل. ولذا فان معظم احداث المسرحيه تدور في منزله في نيويورك.

في معظم الحوارات نعرف ان ويلى شخص محبط، وفشل في تحقيق اي شيء لكنه لا يعترف بذلك مطلقا انطلاقا من تمسكه بالحلم الاميركي الوهمىي. وهنا تكمن مشكلة ويلى الاساسية. انه يعيش فقط في ماضٍ متخيل عن زمن العز الذي كان يعيش فيه. في ظل اعتقاد لا يتزحزح أن الجميع كان يحبه ويعتبره ناجحا ومهما الخ. وحتى اختيار ميلر لاسمه! لم يكن صدفة، فاسم لومان بالانكليزيه يشير الى رجل قليل الأهمية.

لذا فإن ماساة ويلى التي نراها في حواراته مع ابنيه بيف وهبى, تكمن بعدم اعترافه بواقعه الفعلي مستبدلا به واقعا متخيلا بدلا عن الحقيقة, انه شخص اقل بكثير مما يسعى لتصوير نفسه, الامر الذي يجعل منه بطلا تراجيديا بلا منازع. فابطال التراجيديا اليونانية والشيكسبيرية يعانون من نقص ويصبح مقدر لهم السقوط ومواجهة يواجهون اقدارهم.

نهاية المسرحية تكون بانتحاره. وحتى في هذا الامر كان يمكن القول ان ويلى قرر كما كل الابطال التراجيديين ان يواجه الحقيقه وينهي حياته. لكن اوهامه لن تنتهى حتى في مسألة موته, لانه كان يعتقد ان جنازته ستكون حاشدة, وسط حزن يعم الباعة, الأمر الذي كان ايضا ضمن تخيلاته حول شهرته وأهميته. ولم يشارك في جنازته سوى بضعه اشخاص, ولم يتجمع باعة المدينه ليشاركوا في جنازته كما كان يتوهم.

في (مصرع بائع متجول) نرى حالة موت جسدي كما في انتحار ويلى, ولكن ايضا فان موت ويلى لومان هو كما فسر من قبل التيار اليساري حينها, انه ابعد عن موت مجرد بائع عادي, بل ربما يكون موتا او مؤشرا لنهاية ثقافة الاستهلاك الاميركية والثقافة الراسمالية عموما؟

طبعا هذه الرؤى كما نعرف لم تتحقق, وفي الحقيقة ان الاتحاد السوفياتي وشركاه من انتهوا وليس الرأسمالية, وان كان العالم يتجه الان نحو تهذيب وعقلنه ما للرأسمالية المتوحشة. على كل حال من المهم ان لا ننسى ان المسرحية كانت في عصر نهوض المكارثية. حيث شهدت اميركا اكبر عمليه ابتزاز سياسي في تاريخها, عرفت بالمكارثية نسبه الى السيناتور المهووس بالخوف من الشيوعية, جوزف ماكارثي واستمرت من العام 1950 وحتى العام 1956. وفي هذه المرحلة عمل مكارثي على بث هوس الخوف والهلع من الشيوعية, وكانت النتيجة ان وضعت ما عرف بالقوائم السوداء التي لم ينج منها الالاف الكتاب والفنانيين اليساريين أو المشبته انهم يساريون مثل ارثر ميلر وسواه.