رئيس وزراء تونس الجديد يكشف 'ميوله النهضاوية'

تناقض تام مع نتائج الحوار الوطني

تونس ـ قال رئيس الوزراء التونسي مهدي جمعة الثلاثاء ان حكومته لن تتسامح مع محاولات نشر الفوضى وعدم احترام حق العمل، كاشفا منذ البداية عن كثير من صدق تخوفات طيف واسع من المعارضة التونسية، من تعيينه مرشحا لرئاسة الحكومة في مرحلة أولى، وفي مرحلة ثانية من إبقائه لوزير الداخلية في حكومة النهضة الثانية لطفي بن جدو، الذي يحمّله عدد كبير من التونسيين المسؤولية المباشرة عن اغتيال إرهابيين إسلاميين للنائب الراحل بالمجلس التأسيسي محمد البراهمي وأيضا اغتيالهم لعدد من عناصر الشرطة والجيش في مناطق مختلفة من تونس.

وكانت حكومتا النهضة السلامية، في عهد حمادي الجبالي أو في زمن علي العريض، كثيرا ما تتهم القوى المعارضة وخاصة الجبهة الشعبية ثم بعد ذلك نداء تونس، وايضا الاتحاد العام التونسي للشغل أكبر هيكل نقابي في البلاد، بالوقوف وراء أعمال الفوضى والتخريب ووقف النشاط الاقتصادي للكثير من المؤسسات، بزعم رغبة الحزبين والمركزية النقابية في إسقاط الحكم الإسلامي الذي فشل في تحقيق ابسط مطالب التونسيين في الأمن والشغل.

ودأبا على مطالبات مماثلة، صدرت عن الرئيس التونسي المؤقت المنصف المرزوقي، وايضا عن حكومتي الجبالي والعريض الاسلاميتين، دعا رئيس الوزراء التونسي المؤقت الجديد، النقابات العمالية الى هدوء اجتماعي للمساهمة في انعاش الاقتصاد وتوفير الظروف الامنية الملائمة لإجراء انتخابات تعهد ان تكون "حرة وشفافة ونزيهة لايمكن التشكيك فيها"، في اشارة الى تزايد عدد الاضرابات التي زادت في اهتزاز الاقتصاد الهش في البلاد، والتي تقول المعارضة واتحاد الشغل إنها اضرابات واحتجاجات عفوية لا دخل لها فيها مطلقا.

ونالت حكومة رئيس الوزراء المكلف مهدي جمعة الثلاثاء ثقة المجلس التأسيسي التونسي (البرلمان)، وذلك خلال جلسة خاصة عقدت لهذا الغرض.

وقدم رئيس الحكومة المكلف مهدي جمعة تركيبة حكومته التي تتكون من 28 حقيبة بين وزارة وكتابة، وتعهد بالإلتزام بخريطة الطريق التي تمخض عنها الحوار الوطني.

وأكد جمعة في كلمة ألقاها أمام المجلس التأسيسي التونسي وبثها التلفزيون الرسمي مباشرة أن حكومته "تتطلع لإجراء انتخابات حرة وشفافة وملتزمة بتوفير المناخ الملائم للتنافس الشريف"، متناسيا بسرعة العديد من مطالب الحوار الوطني الذي أوصله لمنصبه الجديد.

ويقول مراقبون إن المهدي جمعة الذي بدا في أكثر من مناسبة منسجما وبشكل واضح مع عدد من قيادات حركة النهضة أثناء جلسة اختتام الدستور التونسي الجديد الاثنين، حيث ظل طوال الحفل جالسا الى جانب الوزير السابق في حكومة العريض المستقلية نورالدين البحيري وكانا يتبادلان الابتسامات، لم ينتظر كثيرا حتى كشف عن "ميولاته النهضاوية"، على حد تعبيرهم.

ويؤكد هؤلاء أن جمعة نسي لدى إعلانه عن برنامج حكومته، أهم مطالب المعارضة ولم يذكر أي شيء بخصوص مسألة الكشف عن قتلة المعارضين اليساريين شكري بلعيد ومحمد البراهمي، في حين اتجه مباشرة إلى توجيه تهديدات يرجح المحللون أنها موجهة للمعارضة التي لا تجد عادة غير الشارع للاحتجاج ضد ما تعتبرها سياسات وقرارات حكومية خاطئة.

وترفض أبرز أحزاب معارضة في تونس مثل "الجبهة الشعبية" وحزب "نداء تونس" الإبقاء على أسماء من حكومة علي العريض المستقيلة في حكومة مهدي جمعة الجديدة، ما يعني أنها لن تتجاوب على الأرجح مع جمعة الذي تتهمه بالتنكر لما تم الاتفاق عليه في الحوار الوطني والذي من أهمه عدم الاعتماد على أي وزير عمل في حكومة العريض المستقيلة.

ومن الوارد جدا أن تخرج هذه الأحزاب في تحركات احتجاجية في الشوارع التونسية وهذا ما قد يجعلها في مواجهة مباشرة مع قوات الأمن تحت قيادة لطفي بن جدو الوزير السابق في حكومة النهضة المستقيلة، لتقع تحت طائلة اتهامات مهدي جمعة لها بإثارة الفوضى وتعطيل العمل والإنتاج، وربما مواجهتها بالقوة تحت شعار الحياد والاستقلالية عن الجميع.

وأكد حمة الهمامي الامين العام لحزب العمال والناطق الرسمي للجبهة الشعبية أن الابقاء على وزراء من الحكومة الحالية سيضعف حكومة مهدي جمعة قائلا في هذا الصدد إنه يتعين على جمعة أن ينطلق من ورقة بيضاء في تشكيل حكومته الجديدة.

وأضاف الهمامي أن حكومة مهدي جمعة مطالبة بالالتزام بتطبيق خارطة الطريق في ما يتعلق بتركيبتها وصلاحياتها ومهامها بهدف الاستجابة لآمال المشاركين في الحوار الوطني.

ومن جهته، قال الأمين العام لحزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد المعارض زياد لخضر إن الجبهة الشعبية المعارضة - التي تضم عددا من أحزاب اليسار- ستقف ضد الإبقاء على أي وزير من حكومة علي العريض ضمن حكومة مهدي جمعة، و"أي محاولة لإعادة إنتاج نسخة ثالثة من الائتلاف الحاكم الحالي".

وبالنسبة للعديد من التونسيين فقد تأكد منذ اللحظة الأولى لاستلام مهامه أن المهدي جمعة لن ينسى فضل النهضة في إخراجه لأضواء السياسة عندما عينه علي العريض وزيرا للصناعة في الحكومة المستقيلة، هذا مع رشوح بعض المعطيات المتداولة في الشارع التونسي ان رئيس الحكومة الجديد كان ناشطا اسلاميا مقربا من النهضة خلال دراسته بالجامعة التونسية.

وفي سياق آخر، تعهد رئيس الحكومة التونسي الجديد بأن يعمل على مراجعة تعيينات الولاة في المحافظات وكذلك التعيينات على رأس المؤسسات ذات الصلة بالانتخابات، على أساس مبدأ الحيادية والكفاءة، وطبقا للقانون. وتعهد ايضا بمكافحة الإرهاب.

كما شدد على ضرورة التركيز على دعامتي نشر الأمن ومعالجة الوضع الاقتصادي والمالي، معلنا العزم على اعداد قانون مالية تكميلي ومعالجة مشاكل الفقر والتشغيل والتهريب وتعزيز المقدرة الشرائية للمواطن وتحقيق التنمية الجهوية.

ويوجد معطى إضافي يرجح تصادما محتملا بين المعارضة وحكومة المهدي جمعة ألا وهو المعطى الاقتصادي.

وعلى عكس دعوة الجبهة الشعبية وزعيمها حمة الهمامي إلى التخفيف من حدة غلاء المعيشة على المواطنين وإلى مزيد الاستثمار في دعم الفقراء وتشغيل العاطلين عن العمل، حتى ولو تطلب ذلك لطلب تأجيل سداد الديون المتراكمة للصناديق الدولية لبعض السنوات، بدا أن رئيس الحكومة التونسية الجديد سيواصل نهج حكومتي النهضة الفاشل في مزيد الاعتماد على الاقتراض من البنوك الدولية.

وناشد رئيس الوزراء التونسي الجديد المجتمع الدولي والمؤسسات المالية مساعدة تونس ماليا ودعم اقتصادها الهش بينما تستعد البلاد للمرحلة الاخيرة من الانتقال الديمقراطي.

وقال جمعة "نعول على انفسنا ولكن نتطلع ايضا لمساندة اصدقاء تونس ومؤسسات التمويل لدعمنا في هذه المرحلة الدقيقة من الانتقال الديمقراطي".

وتتطلع تونس للحصول على قروض ومساعدات من الغرب الذي اشاد بالتجربة الديمقراطية ووصفها بانها "نموذج يجب ان يحتذى في المنطقة".

واشادت فرنسا والولايات المتحدة وبريطانيا بالخطوات التي قطعتها تونس وتعهد الاتحاد الاوروبي بالمضي في دعم تونس، بينما قالت واشنطن انها ستواصل الوقوف الى جانب تونس.

ومن المقرر ان يجتمع وفد من صندوق النقد الدولي الاربعاء مع مسؤولين حكوميين لبحث امكانية الافراج عن قسط ثاني من قرض مجمد بقيمة 500 مليون دولار.

وقال محافظ البنك المركزي الشاذلي العياري "ستكون هناك صدمة ايجابية في الاسواق المالية وان شاء الله غدا يكون خبر جيد بامكانية موافقة صندوق النقد على قرض بقيمة 500 مليون دولار".

واشار رئيس الوزراء الى ان المرحلة الحالية في تونس تحتاج اصلاحات اقتصادية وهي اصلاحات يطالب بها المقرضون الدوليون لدعم تونس.

وقال الحكومات التونسية المتعاقبة وكرر ذلك المهدي جمعة، إن تونس تحتاج الى موارد مالية لإنعاش اقتصادها الهش مع تراجع صادراتها بسبب تراجع الانتاجية مع تزايد الاضرابات في عدة قطاعات للمطالبة برفع الرواتب.