إملاءات عشيرة لا تجيد الكتابة

تفجيرات هنا وهناك، وثمة ترويع مستدام للمواطنين في أثناء ذهابهم للعمل أو من خلال رحلة عودتهم إلى المنزل من أجل راحة مؤقتة، وقلق يشاع في عربات المترو أو في حافلات الراكبين، أو حتى خلال تنزه أسرة معدومة اقتصادية بمتاجر منطقة سكانية بسيطة، والهدف من وراء ذلك معروف ويمكن التنبؤ أيضاً بنتائجه. مصر اليوم تدفع وتسدد فاتورة ثلاثين عاماً من تجريف العقول والأذهان والفكر نتيجة عوامل كثيرة بعضها لا يزال رهن الشهود الزمني وبعضها ذهب في غياهب السنوات المنسية، ولا يمكن أن ننحي فصيلا أو حكومة أو تنظيم أو حتى أفراد غير منتمين لمؤسسة حزبية عن المشاركة في عملية التجريف تلك، لأنهم سكتوا عن الحق مرة، واستمرأوا صمت المشاركة في بناء الوطن وتغييره إلى الأفضل، واليوم الكل أصبح يمتطي جواد النهضة والتغيير وصار صاحب الحق الأوحد والأمجد في ارتداء قناع فانديتا وجه الثورة رغم أن الجميع لا يزال موصوماً بعار التخاذل والتباطؤ القصدي والعمدي.

ليست مصر في انتظار توصيف الإرهاب من جهة دولية لأنها بالفعل أدرى بشعابها وبخصال وصفات مواطنيها، وليست أيضاً بحاجة لمداعبة الرأي العام والخاص وقنوات الإعلام من أجل مزيد من الإطراء على سماحتها ونبل مواقفها الإنسانية إزاء أهل الإرهاب الذين يعتقدون أن مصر وطن سهل المراس وأنه وطن يتشابه، والحقيقة مفادها أن الدولة عليها أن تكون حازمة بشأن من يسعى إلى تقويض الوطن وتفتيت أجهزنه الأمنية والعسكرية، وعلى أولئك المهوكين الذين يسعون في الأرض خراباً وفساداً أن يدركوا حقيقة تاريخية ضاربة في القدم وهي أن مصر بحق تجربة لن تتكرر لأنها النسخة الأولى والأصلية التي لا تعرف للتقليد سبيلاً، وهي الوجه الذي لا يعرف التشابه لأنه وجه ثابت أصيل لا ولن تختفي ملامحه أبداً.

وإذا كان بعض الموتورين ذهنياً بعد اختطافهم فكرياً يهددون الوطن وأبناءه بأن التفجيرات ستستمر حتى يعود الرئيس المعزول الدكتور محمد مرسي إلى قصر الاتحادية رئيساً وربما زعيماً وطنياً ومثالاً للشرعية وتحالفاتها المزعومة، فإن من أبرز سمات هذا الشعب أن ذاكرته تفيض بالقوة ولا يستطيع نسيان الماضي السحيق فما بالكم بواقع ليس ببعيد، ومن الخطأ أن يعتقد أولئك أن تلك المحاولات المدعومة من حماس التي تتآمر يوماً على صدر يوم مع الكيان الصهيوني ضد فلسطين نفسها ومن تركيا التي تبكي على خلافتها التي ضاعت بسبب ضعف الخلفاء وفقر تفكيرهم حتى لقبت تركيا نفسها بالرجل المريض، أو من خلال منظمات أميركية تحاول الضغط على الإدارة الأميركية بقيادة الرئيس أوباما الذي صار مرتعشاً بعض الوقت بشأن ما يحدث على المشهد السياسي العالمي بين كوريا والصين أو ما يدور في المنتدى الاقتصادي بدافوس أو التحالف الوشيك بين الحكومة السورية والمعارضة بجنيف 2، من أجل تعطيل مسارات خارطة الطريق في مصر والضغط الذي صار خيالاً على الحكومة والسلطة في مصر من أجل مصالحات سياسية بين النظام وتنظيم الإخوان.

فكل هذه المؤامرات وغيرها لن تأتي بثمارها في ظل وعي دائم شعبي بالوطن وبثورته التي قامت واشتعلت مرتين في يناير ويونيو ولا تزال مشتعلة لأن أبناء هذه الأرض يدركون أن ما عليها يستحق الحياة بالفعل وأن تاريخ أمة بحجم مصر لا يمكن اختزالها بين مطرقة مبارك البوليسية وسندان الجماعة الإرهابي. ومثلما استطاع الشعب المصري العظيم أن يصمد أمام الفزاعات الوهمية التي كان يختلقها نظام مبارك في خلق حالة من الهلع والقلق وأن ثمة أمان واستقرار في بقائه رئيساً وأباً وزعيماً روحياً للمصريين، يستطيع هذا الشعب الذي يفطن دلالة الوطن والوطنية ألا يستجيب لفزاعات جديدة مثل تلك التي تستخدم حاليا من تفجيرات لمقار أمنية وثكنات عسكرية وترويع آمنين، لأن القنابل بطبيعتها ستنفد يوماً ما، والأصابع التي تمسك اليوم بالبنادق والمسدسات سترتعش غداً أمام وجوه مصرية اعتادت الغضب ولم تكترث بالهراوات ولا بالمجنزرات في وقت قوة وبطش الرئيس المخلوع مبارك، والذين نزلوا ليحتفلوا بالذكرى الثالثة لثورة يناير ربما فطنوا أن النزول ليس للاحتفال فقط فالدماء لا تزال تسيل، لكن إنهم يذكرون الجماعة وتنظيمها الذي وصف بقرار حكومي بأنه إرهابي، بأن الشعب لم يعد فقط ملهماً ومعلماً بل ومرشداً للتغيير وطاقة نور تفجر أية ظلمة في الطريق. وكان من باب أولى لتنظيم الجماعة الذي نجح إعلامياً بعد سقوطه في الوقت الذي كان ينبغي عليه التفرد والريادة وقت ذروته السياسية هذا لأن الجماعة احترفت العمل السفلي أي تحت الأرض ولم تعتاد بعد العمل والذيوع وقت الظهيرة، أن تقدم لنا برنامجاً حقيقياً للخير لا كمشروع النهضة الذي قرأته وأحسست أنه يشبه الأبحاث الأكاديمية التي نقوم بها في الجامعة وتحمل قدراً من الزيف والخداع وربما السذاجة أيضاً، وأن يقدموا دليلاً قوياً للمصريين على تماسكهم في البناء وإعمار الوطن لا إلى التسليم بفكرة أن الشرطة والجيش والقضاء والإعلام والشعب حاولوا جميعاً إفشال نجاحهم ومشروعهم المنتظر.

ولو افترضنا أن كل ما سبق حاول إفشال الرئيس المعزول محمد مرسي وإقصاء جماعته عن حكم مصر العظيمة، فهذا لأن شعب مصر يحبون القوي الأمين، ولا يؤمنون أبداً بحاكم مستبد طاغية، أو برئيس فاشل ضعيف، حتى بعد سقوطه ذهب أنصاره فقط للاعتصام وحينما فشل فكروا ودبروا في تفجير مصر وتدميرها وكأنهم بالفعل يسعون لخلافة بمكان بعيد عن هذه الأرض الطيبة.

إن هؤلاء الذين يظنون أن في أعمال قطع الطرق والمسالك والشوارع والتفجيرات بهجة تضاهي بهجة عودة الرئيس المعزول محمد مرسي مرة أخرى إلى سدة حكم مصر، وهكذا حال معظم أنصار تنظيم الإخوان وبعض الأفراد الذين لا يهمهم مصلحة هذا الوطن، فلهم القول بأن الجريمة لا تسقط بالتقادم كما هو موجود بدستور الشعب. وإذا كان هؤلاء لا يفكرون إلا بمنطق المنكر للواقع والغافل عن حاضره فإن ثمة أموراً تجعلنا مصرين على الحفاظ على هذه الأرض، الوطنية مثلاً على سبيل المثال، والانتماء لأرض خالدة وشاهدة على الحضارة الإنسانية، فالفعل هنا على هذه الأرض ما يستحق الحياة، الإنسان نفسه هو الأحق بهذه الحياة.

أولئك يؤمنون بنظرية تدعى سياسياً بالأرض المحروقة، لأنهم باختصار شديد لم يتعلموا منذ الصغر ما الوطن وحرمة الأرض وأهميتها، وربما جاء التوقيت مناسباً رغم برودة جو القاهرة وبقية المحافظات أن نشعر بدفء مستعار افتراضي، وهو دفء الانتماء إلى هذه الأرض التي عليها أفضل من يعيش وهو الإنسان المصري الذي سيظل يواصل معركته ضد الظلاميين وأعداء الوطنية واللاهثين وراء خرافات وادعاءات غير حقيقية، هذا التوقيت الذي يبدو حرجاً من الناحية السياسية والاجتماعية والاقتصادية لأننا نعبأ بالأرقام والإحصائيات والبيانات المكرورة والمملة وأغفلنا الإنسان الذي يبني ويشيد ويقيم حضارته بسواعده.

للظلاميين أقول لهم، إن مصر هي الأرض وليست التنظيم والتيارات والفصائل السياسية، مصر ليست البرلمان وقصر الاتحادية والكنيسة والأزهر وميدان التحرير وستاد القاهرة والمنصة فحسب، وليست تمرد وستة إبريل وكفاية وجبهة الإنقاذ والتحالف الوطني من أجل الشرعية. إن مصر حقيقة وشهود وهي أرض أعطت لكل هذه الأشياء السابقة الأهمية والدلالة لأنها بحق صاحبة الحق الوحيد في الاستثناء.