السيسي بين ضغوط الشارع وحسابات الخارج

لم تتعلق غالبية الشعب المصري بزعيم بمثل ما تعلقت بالمشير عبدالفتاح السيسي وزير الدفاع، وبدت الجماهير كأنها تبحث عن ملاذ آمن، ومتعطشة لمنقذ، تراهن عليه في حل مشاكلها الداخلية وتجاوز همومها المتراكمة، ويمثل لها حبل نجاة من الأزمات التي تحيط بالبلاد على مشارف حدودها الخارجية. ظهرت أشكال مختلفة للتعبير عن العشق المقبول الذي سكن قلوب الناس تجاه الرجل، الذي لم يجد مفرا سوى الاستجابة لهذا النداء، بعد أن منحته المؤسسة العسكرية التصديق أو التفويض اللازم، الذي طلبه بنفسه الأسبوع الماضي.

بهذا الموقف، تم حسم الجدل الذي سيطر على مناقشات وحوارات القوى السياسية، وإنهاء بورصة التكهنات التي راجت في الآونة الأخيرة في أوساط الجماهير، بشأن ترشح السيسي لانتخابات الرئاسة المقبلة من عدمه، وينتظر فقط فتح باب الترشح رسميا منتصف شهر فبراير-شباط المقبل، ليتقدم خطوة عملية نحو المنصب الكبير، الذي سيشهد منافسة هامشية مع أي من المرشحين المحتملين، بعد أن قررت وجوه سياسية معروفة عدم الترشح والبقاء في الظل، حال دخول السيسي السباق.

الواقع أن يوم الإثنين 28 يناير-كانون الثاني الجاري شهد تطورين مهمين، لهما الكثير من الدلالات السياسية والمضامين الرمزية. أولهما، قرار المستشار عدلي منصور رئيس الجمهورية بترقية الفريق أول عبدالفتاح السيسي إلى رتبة المشير، وهي أعلى الرتب الوظيفية داخل القوات المسلحة المصرية، وكانت إشارة مبدئية على عزم الرجل ترك منصبه في هذا التوقيت، باعتبارها تكريما لشخصية بدت قريبة من مشاعر الجماهير. والتطور الثاني، خاص بموافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة له بالترشح، ما يعني أن هذه المؤسسة متكاتفة، ولا تسودها خلافات، كما حاولت الترويج جماعة الإخوان خلال الفترة الماضية، لشق صفوفها وإحداث بلبلة في الشارع، وأن خروج قيادة في حجم السيسي لن تخل بتوازنات وأعراف راسخة بين جنباتها.

إذا كان حسم الترشح أنهى "السفسطة" وحقق جزءا معتبرا من تطلعات فئة كبيرة من المواطنين، فإن المسؤوليات الجسيمة في الداخل وتقف على الأبواب مع الخارج، ستكون هي المحك المحوري، وبموجبها سوف تتكرس قناعات الناس التي وجدت فيه الأمل وتعول على قيادته السياسية وحنكته الأمنية، وتتبدل هواجس من شككوا في قدرة السيسي على تجاوز العقبات المتناثرة. فمع الأيام الأولى لفوزه المريح (المتوقع) مطلوب أن يشعر قطاع كبير من المصريين بتحسن ملموس في حياتهم. وهذه من أخطر الأشياء، لأن صورة البطل والرمز في وجدان الناس مرتبطة بتحقيق المعجرات. ومع شعب عانى كثيرا من ظلم حكامه، سيكون الرهان عظيما، ودرجة التجاوب معه من الضروري أن تخرج عن المألوف وتصبح سريعة. ولأن السيسي يدرك حجم المشكلات، فقد ألمح في خطاب سابق، أنه يريد عملا متواصلا، يبدأ من الخامسة صباحا، في إشارة إلى أن الموقف لا يحتمل تهاون أو رخاوة. الأمر الذي يفرض على الجميع تحديات بالجملة، تستلزم تغيير عادات قطاع من المصريين، اعتاد على الاسترخاء فترات طويلة. ويتطلب درجة عالية من الانسجام الوطني، بعد أن أصيب المجتمع بشروخ عميقة خلال الفترة الماضية، كادت أن تصيبه بالشيخوخة المبكرة.

الترميم والتفوق لا يشتمل على الداخل فقط، فضغوط الجماهير من العوامل المهمة التي تمثل غطاء لأي زعيم وطني وتساعده على النجاح في مهامه، لكن للحسابات السياسية للبيئة الخارجية دورا لا يقل أهمية. فمصر تتعرض لمضايقات ومنغصات كبيرة، إقليمية ودولية، تستوجب من رئيسها المنتظر تجاوزها بأقل خسائر ممكنة، بل وبناء دور لمصر يؤكد زعامتها في المنطقة. وربما يكون التمهل الذي رأيناه ظاهرا في قرار ترشح السيسي، نابعا (في جزء منه) لتجاوز مجموعة من المطبات الخارجية. من أبرزها، تبديد وهم الصورة السلبية التي راجت في أدبيات بعض الدوائر الغربية حول ما حدث في الثلاثين من يونيو-حزيران الماضي، من أنه "إنقلاب عسكري"، وربما مثلت الشعبية الجارفة لهذه الثورة خطوة أولى في هذا المسار، والتي تعززت بتسليم السلطة لحكومة مدنية.

لأن هناك متربصين، يمكن أن يزدادوا عددا بقرار ترشح الجنرال السيسي، فقد جرت سلسلة من التحركات السياسية لقطع الطريق على سيناريو بغيض، يريد أن ينقض مستغلا هذه الفرصة، وتم تجاوز حزمة من العقبات مع دول قريبة وأخرى بعيدة، تم الاستناد فيها إلى الشعبية الكاسحة التي يحظى بها المشير لدى الجماهير، والتي يمكن أن تصاب بالصدمة والغضب، حال الفشل في تلبية طلبها. وتم أيضا إرسال تطمينات عبر قنوات دبلوماسية وإعلامية، تؤكد أن وصول السيسي للحكم لا يعني تصفية حسابات مع أحد، بل هو موقف غير موجه لأي جهة، وأنه قرار وطني يتواءم مع طبيعة المرحلة التي تمر بها مصر، ويجد غالبية شعبها أن المشير الجديد رجل المرحلة ومرشح الضرورة.

من هنا، خففت جهات كثيرة ممانعاتها المعلنة والخفية، وأهمها كلام جون كيري وزير الخارجية الأميركي الذي أشار فيه إلى أن المصريين هم من يختارون مصيرهم، وهو ما بدا كأنه اعتراف متأخر بالهزيمة السياسية، وتسليم بالأمر الواقع. كما أن الآداء العام لشخصية السيسي يتسم بالاستقلال الوطني والروية، والإلمام الاستراتيجي بالتطورات التي تمر بها، ولا يسعي للصدام أو تقمص أدوار "دونكيشوتية"، وقد وصلت دوائر متعددة لهذه النتيجة، ما يفتح الطريق أمام مرور قرار ترشح السيسي وسط ترحيب شعبي داخلي، وهدوء سياسي خارجي.