الإخوان المسلمون: النَّصل والرِّداء الأحمر!

أكثر من ثمانين عاماً والإخوان كما هم!

كان الإخوان المسلمون الرداء الأحمر في حلبة الصراع الأخير على مسرح القوى السياسية العربية، في حين كانت السلفية السياسية بمثابة الفارس الذي يحمل في يده اليمنى النصل الذي ينتظر اقتراب القوة الهائجة ضد الرداء الأحمر في يده اليسرى، فما حدث من مواقف سياسية من السلفية المصرية مثير للدهشة، ويدل على أن ثمة لاعبا أكبر من الصراع الحالي بين الإعلام والأنظمة العربية والإخوان المسلمين، هذا ما تحدث به أحد أبرز المفكرين السياسيين، وإن كان ينأى بنفسه عن أضواء الساحة الفكرية، لكنه اختار أن يرسم بأفكاره الفلسفية ذلك المشهد الخيالي.

فاجأت السلفية الجميع بخروجها الأخير بوجه سياسي براغماتي، يحمل بين قسماته المستقبل العربي، ويبشر بأن التطور سيخرج في نهاية الأمر من رحم التقليد، ذلك عندما شاركت في تأسيس الدستور المصري الأخير، وأيدت فيه تشريعاته التي تمنع تأسيس أحزاب على أسس دينية، وتعترف بمدنية السياسة، وبأحقية المجتمع المدني في تداول السلطة، وفي نفس الوقت تقر أن الحرية حق من حقوق الإنسان، وكأن السلفية السياسية بذلك الموقف أصبحت لها اليد الأعلى في موقعة الإخوان، لتنير بذلك ضوءاً كاشفاً في آخر النفق العربي، مضمونه الاعتراف بوجوب الفصل بين الدين والسياسة في الوطن، وأن الدولة والحفاظ على أمن الوطن أمر لا يجب التنازع عليه.

لم أتفاجأ من التحليل الشيق للمفكر البارز، فالتحولات الكبيرة في السلفية على حد قوله جديرة بالانتباه، وذلك لأنها تاريخياً تخلو من التفاصيل والأيديولوجيات المعقدة، وتقوم على تنزيه العقيدة الإسلامية من الشرك وفقه العبادات وعدم منازعة ولي الأمر في سلطانه، كان أول تحولاتها بعد تلاقحها مع الفكر الإخواني، وكأنها تتأهب للخروج من كهفها التاريخي إلى مسرح الأحداث، لتخرج في اتجاه فكري متزمت في زمن الصحوة الإسلامية، ومن جانب آخر خرج التطرف والعنف فيما أطلق عليه بالسلفية الجهادية، والتي أصبحت بسبب سرية أعضائها وسيلة لأجهزة الاستخبارات، وأصبحت مهيأة أكثر من قبل للاختفاء من مسرح الأحداث..

لكن مفاجآتها الأبرز هذا العام حدثت بعد انتقال الفكر السلفي للمجتمع المصري، ونتج عنه خروج وجهها السياسي الجديد في مصر، وكان موعد إعلان بروزه السياسي ثورة يناير المصرية، وذلك عندما شاركت السلفية السياسية في العملية السياسية بفعالية ما بعد 25 يناير، وأظهرت بعد ذلك تطوراً جديداً حين شاركت بفعالية في الانتخابات المصرية، وكانت أقرب في خطها السياسي لتيار الإخوان المسلمين في تلك الفترة، عندما أعطت أصواتها لمرشح الإخوان، وشاركت بفعالية في الأحداث السياسية المصرية أثناء حكم مرسي.

لكن الانقلاب المدهش في موقفها كان بعد 30 يونيو، ذلك عندما أيدت خارطة الطريق، وشاركت في لجنة الخمسين، وقدمت رؤية متجددة في مفاهيمها السياسية والتي وصلت إلى حد الإقرار بضرورة منع قيام أحزاب سياسية على أسس دينية، لكن قبل ذلك أنهت علاقاتها بالإخوان المسلمون في مشهد درامتيكي، وذلك عندما اختارت أن تترك الجماعة وحيدة في مهب الريح ضد القوى السياسية الأخرى، وكأنها بذلك تمهد للحظة الخلاص النهائي من الفكر الإخواني في الفكر السياسي المعاصر.

ما يحدث لا يمكن تفسيره سياسياً إلا بتلك الخصوصية التي تتميز بها الثقافة المصرية، والتي كانت لها تأثيرات على المجتمعات العربية، ولا يمكن حصرها في هذه العجالة، فقد قدم المجتمع المصري أمثلة عديدة على قدرته على إذابة الأفكار الجديدة في داخله، ثم إخراجها بقالب مختلف، وبأسلوب مغاير لما تم تطبيقه خارج مصر، لذلك ذابت الشيوعية في مصر، لتخرج على هيئة اشتراكية عربية ذات ملامح إسلامية، كذلك تحولت العروبة في مصر إلى ثقافة أكثر منها عرقية أو شوفونية.

أظهرت السلفية السياسية بعد أن امتزجت بالثقافة المصرية قدرات سياسية قيادية، لكنها مع ذلك لم تتخلص نهائياً من ردائها التقليدي، ولكنها قدمت رؤية سياسية حديثة لعدم منازعة الدولة في سلطانها، وأن الدولة يجب الحفاظ عليها مهما كلف الأمر، وكأنها بذلك أصبحت لها اليد الطولى في المشهد السياسي العربي، بل تحولت بتلك الرؤية لتكون بمثابة التاريخ الذي يلوح بيده اليسرى برداء الإخوان المسلمين الأحمر في وجه الهيجان السياسي، لكن في نفس الوقت يرفع بيده اليمنى النصل الذي سينهي به تاريخ الصراع السياسي في تاريخ المسلمين، وإعلان قيام الدولة المدنية، سلامي لمصر وأمنياتي لأستاذي العزيز بدوام الصحة.

عبد العزيز السماري

كاتب سعودي