الى السيد حسن نصرالله

ربما تسنّى للبنانيين ان يقولوا شيئاً قبل القرار الحاسم والنهائي بوضع "نقطة على السطر"..وقبل صدور الحكم "العرفي"..وتعليق المشانق لاكثر من نصف اللبنانيين الذين لا يوافقونكم الرأي ولا يأتمرون بأمر "الولي" ولا يؤمنون بالقداسة لغير الرسل والأنبياء..

وانا استمع اليك يا سيّد، لا أدري لماذا تذكرت قول رئيس الوزراء البريطاني ويليام بيت عام 1766 "إن القوة غير المحدودة تفسد عقول من يملكونها".

او قول المؤرخ البريطاني اللورد ادوارد أكتون عام 1869 "القوة تفسد أصحابها، والسلطة المطلقة مفسدة مطلقة، والرجال العظام غالبا ما يكونون رجالاً سيئين".

ولا ادري لماذا عدت بالذاكرة الى كمال جنبلاط الذي كان متأثراً بأقوال المهاتما غاندي ومنها "إن حبَّ الحقيقة ـ مهما كانت ـ قد علمني جمال التسوية".

ولا أدري لماذا عدت بالذاكرة الى "معركة نهر البارد" عام 2007، يوم ظهر "التكفيريون" المُفرج عنهم من السجون "السورية" فجأة، في "المخيم" تحت اسم جماعة "شاكر العبسي" وظهر يومها من يقول: ان تورٌط الجيش في معركة ضد الفلسطينيين، وضد فتح الاسلام "خط أحمر".

هؤلاء "التكفيريون" ظهروا في صيدا عام 2013، مع "خط أخضر" للجيش اللبناني..والغريب ان الجهة ذاتها، هي التي كانت قد "حرّمت" تصدّي الجيش للتكفيريين في مخيم البارد..الجيش هو هو..لم يتغير..المتغير هو اللون الاحمر..

ولا أدري لماذ تذكرت قول السيد نصرالله عام 2006 "لو علمت ان عملية الاسر ستقود الى هذه النتيجة لما قمنا بها قطعاً"..وقوله اليوم "سنسلم أننا مخطئون..أنت في البداية كان الحق معك وأنا مخطئ، أما الآن فأنا معي الحق وأنت مخطئ".

فهل على اللبنانيين ان يختاروا "مزحة" "التسليم بالخطأ" بين هذا الفريق او ذاك..فيما الشعب يدفع ثمن "المزحة" ترديا امنيا وسياسيا واقتصاديا و..

ولا ادري لماذا مطالبة "الآخر" باحترام عقول جمهوره وترك "الشهداء على جنب"..فيما هم يحمون قتلة الشهداء ويمنعون تسليمهم للعدالة..والشهداء هم بمثابة "العُرض" لكل الفرقاء..

ولا ادري لماذا لا يحترم هؤلاء عقول الناس والاقلاع عن حديث "الممانعة" السخيفة التي سقطت في سوريا قبل خمسين سنة وسقطت في لبنان مع صدور القرار 1701 عام 2006.

ولا ادري لماذا الكلام عن اننا "ندفع ثمن التزامنا الدائم المستمر بقضية المقاومة"..في وقت ندير فيه ظهورنا للعدو الاسرائيلي ونقاتل "العدو السوري"..و"العدو اللبناني"..وهذا يذكرنا بضمانات "هنري كيسنجر" للاسرائليين عام 1976، بان وصول الجيش السوري الى حدود فلسطين انما هو لضمان الحدود عبر ضرب منظمة التحرير الفلسطينية والحركة الوطنية..لا ادري اذا كان هناك من تشابه في مكان ما، بين الامس واليوم!

غريب امر الذي يرى "حردبة" الآخر ولا يراها في ذاته..الآخر قراره اقليمي وغربي ـ ولن أذكر الحرف الاول من اسمه ـ وأنا قراري ذاتي بالمطلق ولا أنتظر من الشريك الاقليمي ان "يجيز" لي امرا ما، فأنفذه داخل الحدود وخارجه..وطبعا لن نذكر "الحرف الاول من اسمه".

ولا أدري كيف نؤيد "الولي" في محو مصطلح "الشيطان الاكبر ومحور الشر" فيما الشعار الممانعة الفارغ ومحو اسرائيل لا يزال قائماً..وكيف كل القنوات تعمل، خاصة بعد جنيف الايراني، على التقارب السعودي ـ الايراني فيما نتهم المملكة بالتفجيرات في لبنان!

ولا ادري كيف تُشكل حكومة وحدة وطنية..او حكومة "سياسية جامعة" ونحن في حالة حرب مع الشريك الآخر..نتهمه بـ"اعلان الحرب" وبالعمالة وننعته بأبشع الاوصاف ثم نطلب اليه مدّ اليد..ولا ادري كبف يمكن الجلوس في حكومة "جامعة" ولم تتمكنوا من الجلوس في حكومة متجانسة..فأسقطوها..ثم تريدون اليوم احياءها..من أجل ضمان الفراغ الرئاسي..

ولا ادري كيف يمكن تفسير هذا الهجوم الشرس على رأس السلطة التنفيذية، بغير تفسير واحد وهو تفضيل رئيس يجيد "السباحة" في "بحركم ومربعكم"، على رئيس يجيد السباحة في بحر كل لبنان وينأى بنفسه عن الغرق في مستنقعات المحيط والاقليم..ويلتزم السيادة والدستور؟

ولا ادري كيف يمكن نجاح الحوار ونحن نقول للشريك: انتم لستم في حساباتنا وانتم آخر همنا و"نحن مش فاضيين لكم" و"بلطو البحر"..وسلاحنا مقدّس وقرارنا نهائي وحاسم وقاطع في سوريا..ولو كنا نريد اقصاءكم لكنا خربنا البلد..واعلان 7 ايار يوماً مجيداً..وتعتبرون التعاون مع المحكمة الدولية اعتداء على المقاومة!

تنشرون "القمصان السود" ثم تقولون بعد كل هذا، تعالوا لنتحاور..فعلى ماذا الحوار؟

ولا ادري كيف يمكن ان يكون "موضوع سوريا..هو معركة وجود، وليس معركة امتيازات مثل ما يقولون: ليس شرط كمال، هو شرط وجود"..فحبذا لو كنتم "فاضيين" للبنان وشعبه واستقراره واقتصاده وامنه ووجوده..ولا بأس لو خسرتم بعض هذه "الامتيازات" جرّاء قتالكم ضد الشعب السوري وربحتم لبنان وشعبه ومؤسساته وسيادته..

ولا ادري اخيراً، لماذا تحضرني اليوم هزيمة 1967، يوم قال "جهابذة" النظام السوري ان الـ67 كانت ايضا حرباً "كونية" امبريالية "كان الهدف منها اسقاط النظام..الحمد لله خسرنا الارض..ولكننا ربحنا النظام".

وللتذكير، كان نورالدين الاتاسي "الضابط البعثي" رئيساً لسوريا، وحافظ الاسد وزيرا للدفاع في العم 1967، وهو الذي اعلن سقوط "القنيطرة" قبل ان يدخلها العدو الاسرائيلي! ويومها قال وزير خارجية سوريا "البعثي" الدكتور إبراهيم ماخوس: "ليس مهماً أن تسقط دمشق، أو حتى حمص وحلب، فهذه جميعاً أراض يمكن تعويضها..أما إذا قُضي على حزب البعث، فكيف يعوّض وهو أمل الأمة العربية!! لا تنسوا أن الهدف الأول من الهجوم الإسرائيلي هو إسقاط الحكم التقدمي في سوريا!".

يومها قال كمال جنبلاط باختصار: "حبذا لو ربحنا الارض وخسرنا بعض الانظمة!".

وكأني بالسيد حسن نصرالله سيقول لنا يوما ما: امام المعركة الكونية على سوريا والممانعة..صحيح اننا خسرنا لبنان..ولكن الحمد لله ألف مرّة..اننا ربحنا النظام السوري الممانع!

يا سيد حسن، الجريء، هو الذي يحمي لبنان من العواصف الاقليمية..والجريء هو من لا تفسده السلطة والقوة..والجريء هو من لا يساوم على شعبه ووطنه ارضاء لمصالح اقليمية..والجريء هو من يعارض أنظمة الاستبداد ويناصر الشعب المقهورة..والجريء هو من ينتصر للمظلوم لا للظالم! من دون ذكر الاسم الاول للظالم..ومن دون نقطة على السطر!

واخيراً يا سيد، ماذا ينفعك لو خسرت وطنك وربحت كل انظمة الاستبداد والقهر؟