ديفيد إغناتيوس: على الخليج ألا يتسرع في التقارب مع ايران

قالها أوباما لي شخصيا: واشنطن لن تفرط في العلاقة مع الخليج

أبوظبي - اعتبر الكاتب والمحلل السياسي والاستراتيجي في صحيفة واشنطن بوست ديفيد إغناتيوس ان على دول الخليج ألا تتسرع في التقارب مع ايران، مؤكد ان واشنطن وابوظبي تحتاجات الى "التعلم من بعضهما بعضا".

وقال اغناتيوس في مقابلة مع مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية ان اتفاق جنيف "كان مفاجأة للجميع" لكنه أكد على أن موقف الإمارات المرحب بالاتفاق يدل على رؤية استراتيجية تتمتع بها الدولة من حيث تقييمها للموقفين السياسي والدبلوماسي في المنطقة والتغيرات التي تحدث تبعاً لذلك.

وشدد على ان الولايات المتحدة لن تفرط بعلاقاتها "القديمة والمتينة" مع الخليج بعد الاتفاق مع الايرانيين.

وفيما يلي ابرز المحاور التي تناولتها المقابلة.

رد الفعل حسب الفعل

على الولايات المتحدة ودولة الإمارات العربية المتحدة التعلم من بعضهما بعضاً لأن في ذلك منفعة لكلا البلدين. فعلاقات الصداقة القديمة بين الدولتين ستسهم في تطوير التعاون بين واشنطن وأبوظبي في المجالات كلها، وليس في المجالين العسكري والأمني فقط.

وعلى وجه الخصوص على دولة الإمارات العربية المتحدة التعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية فيما يتعلق بتغيير سلوك إيران في المنطقة.

إنني أنصح دول الخليج العربية ودولة الإمارات العربية المتحدة على وجه الخصوص ألا تتسرع في التقارب مع طهران وألا تعقد محادثات معها بشكل متسرع فالملف النووي الإيراني لا يزال في يد الولايات المتحدة. ويجب أن يكون رد فعل دول الخليج العربية بحسب تصرفات إيران.

ويجب أن تضمن هذه الدول أنها لن تتعرض للخطر جراء تهديدات إيران المتواصلة لها، وأن يكون لدى إيران حس بقلق جيرانها من برنامجها النووي وتدخلاتها في شؤونهم الداخلية.

اتفاق جنيف ليس نهاية المطاف

وأضاف ديفيد إغناتيوس: في الواقع كان الاتفاق مفاجأة للجميع حتى أن المفاوضات في عُمان كانت كذلك. وكان ينبغي للولايات المتحدة أن تشرك حلفاءها وأصدقاءها بالمشورة لأن هذا الأمر يمس الولايات المتحدة وغيرها من الدول.

ولكني أقول إن ما قامت به دولة الإمارات العربية المتحدة من ترحيب كأول دولة عربية بهذا الاتفاق يدل على رؤية استراتيجية تتمتع بها الدولة من حيث تقييمها للموقفين السياسي والدبلوماسي في المنطقة والتغيرات التي تحدث تبعاً لذلك. ثم تبعتها المملكة العربية السعودية وباقي دول الخليج العربية التي أيدت الاتفاق بانتظار وفاء إيران بتعهداتها.

ولكن أقول إن مسألة الاتفاق ليست نهاية المطاف، حيث يبدو الاتفاق إيجابياً بصفة عامة لأنه يجمد برنامج إيران النووي ويسمح بتفتيش يومي لمنع أي مخادعة. نريد أن نخفف من خطر إيران النووي للمنطقة والعالم فهذا الاتفاق صفقة جيدة للجميع لأنه يسعى إلى بلورة حل شامل يعطي إيران فرصة توليد الطاقة النووية السلمية لأغراض مدنية مثل توليد الكهرباء ويمنع التخصيب الذي قد يفضي إلى صنع سلاح نووي.

نعلم أن دول الخليج العربية قد انتابتها حالة من الامتعاض الشديد والصدمة التي جعلت بعض الدول تسعى إلى تحالفات مع غيرها من الدول ولكن أقول لدول الخليج العربية إن الولايات المتحدة لن تتخلى عن تحالفاتها وأصدقائها في المنطقة إذ ترتبط معهم بعلاقات قديمة ومتينة.

كما أن الرئيس أوباما قد بيّـن في أكثر من مناسبة حتى في مقابلة معي شخصياً أن واشنطن لن تفرط في تلك العلاقة وأن وجودنا العسكري والأمني سيبقى موجوداً.

العقوبات جاءت بالايرانيين الى جنيف

لدى إيران قدرات كبيرة عسكرياً ونحن نعلم أن مَنْ يريد توليد الطاقة الكهربائية من مصادر نووية لا يحتاج إلى مفاعلات نووية مخفية في أماكن جبلية أو تحت الأرض أو في تحصينات لا يمكن الوصول إليها مثل مفاعلات "أراك" و"قم" و"فوردو" كما لا تحتاج تلك المفاعلات إلى الماء الثقيل الذي لا يستخدم إلا لصنع القنبلة النووية.

لذلك كان الاتفاق من أجل احتواء القدرات النووية الإيرانية والتعامل معها لحماية المنطقة والعالم من ويلات هذا السلاح. فلدى إيران أكثر من 19 ألف جهاز طرد مركزي وهذا دليل على نياتها الحصول على سلاح نووي.

لقد لعبت العقوبات دوراً في تغير السلوك الإيراني، حيث أثرت العقوبات الاقتصادية بشكل كبير في طريقة تفكير القيادة والشعب الإيراني. فعلى الرغم من أن تلك العقوبات لم ترغم الإيرانيين مباشرة على الجلوس إلى طاولة الحوار خوفاً من الانهيار الاقتصادي للدولة، فإن تلك العقوبات قد أسهمت بشكل كبير في تغيير موازين القوى السياسية في الداخل الإيراني منذ عام 2009، حيث مهدت العقوبات الاقتصادية الطريق لانتخاب حسن روحاني في عام 2013 ما دفع بالتفاوض مع الدول الكبرى حول ملف إيران النووي إلى الأمام.

ونظراً إلى أن روحاني يختلف عن الرئيس الإيراني السابق، محمود أحمدي نجاد، الذي كان يجاهر ليلاً ونهاراً في برنامج إيران النووي، وحق إيران امتلاك سلاح نووي للردع، كان رد الإدارة الاميركية واضحاً بأن تقديم أي شكل من أشكال الدعم لحكومة روحاني سيؤدي حتماً إلى إقناع الشعب الإيراني بأنه حان الوقت للتغيير.

فاستمرار العقوبات من دون تخفيفها أو تقديم أي حافز لطهران سيؤدي إلى تقويض أداء حكومة روحاني الحالية وضعف ثقة الشعب به لذلك كان رفع الحظر عن مبلغ 7 مليارات دولار بمنزلة مساعدة لروحاني، أما لو استمرت العقوبات دونما رفع للحد الأدنى من العقوبات فإن ذلك سيساعد على زيادة عدم الثقة بين واشنطن وطهران وسيقوي من شوكة المتشددين الإيرانيين.

خسائر ايرانية بـ100 مليار دولار

أستشهد هنا بما تحدث به الرئيس أوباما أمام المنتدى السنوي لـ"مركز سابان للسياسة في الشرق الأوسط" في "معهد بروكينغز" في واشنطن بحضور جمهور كبير من السياسيين والأكاديميين والدبلوماسيين والصحفيين إذ قال إن أفضل حل لقضية النووي الإيراني هو ما تم التوصل إليه حيث إن اتفاق جنيف بين إيران ومجموعة (5+1) كان أفضل المتاح.

ففرص نجاح المفاوضات مع إيران تشكل 50% وفي حال عدم التزام إيران بالاتفاق المرحلي فإنه سيتم تمديد الاتفاق لستة أشهر أخرى شرط أن يكون قد تمّ التوصل إلى تقدم ولو كان بسيطاً في تنفيذ الاتفاق خلال الستة أشهرالأولى.

وفي حال التمديد ستة أشهر دون حدوث تقدم والتزام من الجانب الإيراني سيتم تشديد العقوبات الاقتصادية، حيث إن خسائر إيران المتوقعة في حال استمرار العقوبات عليها في عام 2014 ستصل إلى أكثر من 100 مليار دولار، وهذا أمر سيدمّر الاقتصاد الإيراني لعقود قادمة ما يعني أن إيران لا بد لها من أن تلتزم بالاتفاق النووي المبرم لتتجنب أي ردود غير مناسبة من قبل الدول الكبرى.

\'على إيران أن تقرر إذا ما كانت تريد أن تكون أمة أم قضية\'

في الواقع، إن لكل دولة الحق في امتلاك برنامج نووي سلمي لغايات توليد الطاقة الكهربائية وهذا الأمر ينطبق على إيران. والرئيس أوباما يعتبر أن صفقة إيران النووية مكسباً توج سنوات من المحاولات الجادة لحلحلة هذه المعضلة مع إيران.

فهو أحد أنواع الدبلوماسية السرية التي كان يؤيدها هنري كيسنجر، وزير الخارجية الأسبق، حيث عقدت اجتماعات سرية في مارس/اذار الماضي في سلطنة عمان وأوفد حينها الرئيس أوباما مبعوثين هما: ويليام بيرنز، نائب وزير الخارجية، وجيك سوليفان، مستشار نائب الرئيس جو بايدن للأمن القومي.

لقد كانت تلك العملية بمنزلة خدعة للأنظارأو خداع بصري، فبينما كانت الأنظار متجهة نحو جنيف حيث مفاوضات إيران مع مجموعة (5+1) فإن المفاوضات الأهم كانت في مكان آخر بعيد عن الأنظار في عُمان. وبعدما تم الاتفاق قُدم جاهزاً لوزراء خارجية روسيا والصين وبريطانيا وفرنسا وألمانيا في جنيف قبل أسبوعين كأمر واقع تقريباً.

ذلك ممكن بالتأكيد. أستذكر هنا عبارة قالها كيسنجر إن الاختبار الصحيح لإيران كان عام 2006 حين قال يومها "إن على إيران أن تقرر إذا ما كانت تريد أن تكون أمة أم قضية" وهذا معناه واضح أن الطريق للخروج من أزمة إيران والورطة التي أوقعها فيها مسؤولوها السابقون هي في الهروب إلى الإمام نحو مفاوضات لنزع سلاحهم النووي مع عدم السماح لإيران بإمساك العصا من المنتصف لأن ذلك سيسبب زعزعة المنطقة.

واشنطن وأبوظبي لدعم مصر

لا شك في أن نظام محمد حسني مبارك وحكم الإخوان المسلمين في مصر بقيادة الرئيس المعزول محمد مرسي، كانا نظامين أوتوقراطيين فرديين يعملان لمصلحة فئة دون الأخرى. وبعد إطاحة نظام مرسي وتولي قيادة الجيش الحكم في مصر، فإن موقف الولايات المتحدة كان نابعاً من رفضها للعنف الذي أدى إلى وفاة مئات الشبان المصريين. واليوم علينا أن نعمل مع دولة الإمارات العربية المتحدة لدعم المصريين ودعم اقتصاد مصر لمساعدتها في التحول الديمقراطي.