هالة العبدالله: توثيق سينما الثورة السورية حفظ لذاكرة جيل كامل

ثورة سينمائية رديفة

أكّدت المخرجة السورية هالة العبد الله، أن توثيق الثورة السورية سينمائياً هو حفظ لذاكرة جيل وشعب بأكمله على المدى البعيد، وأرشيف لثورة يتيمة مهملة، ومرجع لتجارب الإنسانية مستقبلاً، وشددت على أن (مهرجان سورية الحرّة السينمائي) الذي سينطلق السبت المقبل هو لمهرجان دمشق السينمائي الحكومي بفارق أنه سيكون من وحي الثورة، وبعد أن انتقدت إهمال المعارضة السورية للفن عموماً والسينما خصوصاً، أعربت عن قناعتها بأن الثورة السورية ستولّد ثورة سينمائية رديفة.

وحول مهرجان سورية الحرّة السينمائي الذي يهدف لتأسيس مفاهيم سينمائية حديثة فضلاً عن تكريم السينمائيين ضحايا الثورة، قالت المخرجة العبد الله المتحدثة باسم المهرجان وأحد أعمدته لوكالة (آكي) الإيطالية للأنباء "المهرجان خاص بالسوريين حرصاً منّا على البدء في رسم ملامح سورية جديدة حرّة وديمقراطية، وإيماناً منّا بأن القرار أصبح بيد الشعب السوري الحرّ وليس بيد النظام، وتكريماً لجهود شبابنا الأبطال الذين يعرّضون حياتهم للخطر في سبيل تصوير المظاهرات وتوثيق الانتهاكات التي يمارسها النظام بحقّ أبناء شعبنا الأعزل وإجلالاً منّا للروح الإبداعية للشعب السوري التي تجلّت في أروع صورها مع انطلاق ثورة الحرية قررنا نحن مجموعة من شباب سورية الحرّة إلغاء قرار تأجيل (مهرجان دمشق السينمائي) وإطلاق "(مهرجان سورية الحرّة السينمائي) كبديل عنه، يكون من وحي الثورة السورية، وعقدنا دورته الأولى تحت شِعار (السينما في ساحة الحريّة).

وتابعت "لكن صفحة المهرجان لم تقتصر فقط على إبداعات السوريين وإنما كانت تنقل دوماً وتنشر أصنافاً متنوعة من الفنون ومن أشكال التعبير البصرية المتعلقة بالحريات أو بالديكتاتوريات، حيث تساهم بهذا بأن يتابع من يرتادها من السوريين ما يحدث في بلدان أخرى وفي مجتمعات أخرى، أما المشاركة بمسابقة المهرجان فهي اقتصرت دوماً على السوريين والمساهمين أو المرافقين منهم للثورة".

ومن المفترض أن ينطلق المهرجان افتراضياً على الانترنت ومواقع التواصل الاجتماعي نتيجة الأوضاع الأمنية السيئة التي تمر بها سورية، لقناعة القائمين على المهرجان بأن "إقامة المهرجان على الأرض لا يمكن أن تكون إلا على أرض سورية".

وأشارت العبد الله صاحبة الفيلم الطويل "كما لو أننا نمسك بكوبرا" الذي يتناول الثورات العربية والفن، إلى حصول زيادة مطردة في المشاركة بالمهرجان في دورته الثالثة، وفي تنوع التجارب الفنية والأدوات مع كل دورة، وقالت "ثبًت المهرجان دورة بعد أخرى حضوره وجذب مع كل دورة جديدة مشاركين جدد ومتابعين جدد، في الدورة الأولى كان هناك خليط كبير من الأعمال، تجارب متنوعة بأدواتها الفنية أو بحثها وحتى زمن إنتاجها، واستقرت الأمور بعد ذلك لتشمل الدورة الثانية أعمالاً أكثر لشباب حملوا هم الثورة وشاركوا بها بشكل أو بآخر وقاموا بإنتاج أعمالهم لمساندتها والدفاع عنها وهذا ما ينسجم أكثر مع هم المهرجان وأهدافه".

وشددت على لمس منظمي المهرجان لوجود نضج وابتكار في تجارب المشاركين به، وقالت "من المؤكد أن الحرية التي عاشها الشباب السوري بعد انطلاقة الثورة في مارس 2011 والتي تجلّت بكثير من الابتكار والإبداع في مجال التعبير الفني، تركت أثرها الجلي على الأعمال البصرية السمعية، كان هناك إنتاج مبهر للغاية بكميته وكثافته منذ البداية، دلّ فوراً على حالة الاختناق والمنع والرقابة السوداء التي كانت تضيًق وتحد من أي إبداع شبابي فني، ومع الوقت بدأ يتقدم للأمام من وجد في نفسه رغبة عميقة بالتمسك بهذه الأدوات وأخذ البعض بالمراوحة في المكان والبعض الآخر غير طريقه ليذهب لمكان إبداعي آخر، الحرية أي غياب الخوف وغياب الرقيب تروي الأرض الخصبة التي انتظرت وجفت طويلاً وتطلق عنان الطاقات الجميلة والخاصة عند الشباب السوري".

وبحسب المخطط العام للمهرجان، ستُعرض الأفلام المشاركة خلال الأيام الأربعة الأولى ليجري التصويت على أفضل فيلم يومياً، ثم يُعاد عرض الأفلام الأربعة الفائزة للتصويت عليها مجدداً خلال يومين لاختيار أفضل فيلم في المهرجان.

وفيما إن كانت التجارب السينمائية السورية خلال السنتين الأخيرتين هي ذاكرة للثورة أم محاولات للبحث عن هوية ومستقبل، قالت العبد الله "خلال نصف قرن تقريباً عاش الشعب السوري تحت نير النظام البعثي الذي كان يمارس كل أشكال القمع والعنف بما فيها منع التصوير وشبه تحريمه، إن تجرأت وحملت آلة فوتوغراف وحاولت أن تصور الناس في الشارع أو في مقهى أو في أي مكان ما فإنك ستكون معرّض للمساءلة والتحقيق وربما حتى الاعتقال، لقد كانت العلاقة مع الصورة كوثيقة إشكالية ومربكة وصعبة دائماً حتى جاءت الثورة".

وتابعت "لقد وعى السوريون منذ البداية أهمية وضرورة التوثيق، ووعوا خطره وخوف النظام منه واستعداده لمحاربته بشتى الأشكال عنفاً وقمعاً، التوثيق بالصورة الفوتوغرافية أو بالصورة المرفقة بالصوت، أي العمل السمعي البصري، هو ليس فقط تسجيل لا بد منه على المدى القريب ليوميات شعب وثورة وإنما هو حفظ لذاكرة جيل وذاكرة شعب بأكمله على المدى البعيد، إنه ذخيرة لأجيال قادمة وأرشيف لثورة يتيمة مهملة، ولكن هذا الأرشيف سيكون منارة ومرجع لتجارب الإنسانية مستقبلاً، هذه الإنسانية نفسها التي أدارت ظهرها للثورة السورية، ومن هنا فالتجارب السينمائية هي ذاكرة للثورة".

واستطردت "لكن من ناحية ثانية، وبوجود حرية النشر على الانترنت أو بطرق أخرى، وبكسر الخطوط الحمر وتراجع عال للخوف من الرقيب، ورغبة عالية عند الكثيرين بالطيران بعيداً في إنتاجاتهم الفنية بدون قيود ودون تردد، أضحى العمل الفني عند الكثيرين هو ورشة تجريبية يبحث فيها الشباب عن أدواتهم ويكتشفونها ويطوعونها لخدمة أفكارهم وأحلامهم ويظهرون من خلالها خصوصيتهم ورفضهم للقمع بكل أشكاله، نعم يبحثون هكذا عن هويتهم وعن مستقبلهم".

ونفت المخرجة السورية التي وقفت إلى جانب الثورة في سورية منذ أيامها الأولى أن يكون المهرجان قد حظي على دعم من المعارضة السياسية السورية، كما اتهمتها بأنها لا تعي الدور الهام للسينما كرديف ثوري، وقالت "ترتسم على شفتي ابتسامة مريرة كلما أفكر بهذا الموضوع، إن المؤسسات الرسمية للمعارضة السياسية لا تعطي للثقافة ولا للفن أية أهمية، وأشك أن تكون مؤمنة بهما أو تلحظ وجودهما، إنها مشغولة بتخبطاتها وتنافساتها على المكتسبات المعنوية والمادية أيضاً طبعاً، ونحن لم ولن نسعى لخطب ودّ أحد، ما يهمنا هو أن يحوز المهرجان على مكان دافئ في قلوب جمهوره السوري لا أكثر".

والعبد الله التي درست السينما في باريس وأخرجت عدداً من الأفلام السينمائية بالتعاون مع مخرجين سوريين بارزين، أعربت عن قناعتها بأن الثورة السورية ستولّد ثورة سينمائية سورية وقالت "مع بداية الثورة في سورية بدأت معها الثورة في كل أشكال الفنون وكل أشكال التعبير، ليس بالضرورة أن يكون كل عمل فني مرافق للثورة هو عمل ثوري ولا كل عمل ثوري هو عمل إبداعي وجميل، ولكن النوايا موجودة والمواهب موجودة والواقع الصعب المرير والشديد السواد الذي يعيشه الشعب السوري هو حالة استثنائية في تاريخ الإنسانية، ولا بدّ من أن تعطي كلها نتائج فنية خارقة".