لبنان ... تحولات السلفية بعد الطائف

الخلافات أدت إلى تمزيقها إلى جماعات

حين انهزمت حركة "التوحيد الإسلامي" أمام الجيش السوري والأحزاب اللبنانية والفلسطينية المتحالفة التي دخلت طرابلس في سبتمبر 1985؛ جرى حلّ "الجيش الإسلامي" من قبل المسؤولين عنه، وهرب العديد من قادة "التوحيد" و"الجيش الإسلامي" إلى مناطق أخرى داخل لبنان وخارجه، بعد مقتل أحد مؤسسي الفكر السلفي في طرابلس، الشيخ أسامة القصاص.

فتمدد الفكر السلفي المنظم إلى العاصمة بيروت وجوارها وتحديداً منطقة إقليم الخروب، ومدينة صيدا. وهكذا انتقل الشيخ داعي الإسلام إلى العاصمة بيروت أوّلاً. لكن اندلاع حرب المخيمات وسيطرة حركة "أمل"، المتحالفة مع سوريا على بيروت، جعله ينتقل إلى إقليم الخروب في الشوف، ثم إلى صيداحيث عُرف الشهال من خلال حركة أطلق عليها اسم "الجماعة والدعوة السلفية" المتولّدة من "نواة الجيش الإسلامي". ولعلّ حركته هذه كانت بداية الدخول السلفي الى مدينة صيدا ومخيّم عين الحلوة.

بعد اتفاق الطائف

استمرّ العمل على هذا الحال تناغماً مع الوضع السياسي في لبنان حتى عام 1988، أي قبل عام من انعقاد مؤتمر الوفاق الوطني في مدينة الطائف السعودية عام 1989، والذي نتج عنه اتفاق الطائف الذي أنهى الحرب الأهلية اللبنانية(1975 – 1990) برعاية سورية – سعودية وتوافق إقليمي ودولي. وانسجاماً مع المتغيّرات الجديدة، تمّ تغيير اسم جمعية "الجماعة والدعوة السلفية" إلى اسم جديد هو "جمعية الهداية والاحسان"، التي رُخص لها سنة 1989، وشكّلت الإطار الرسمي للحركة السلفية.

اعتبرت الجمعية الجامع الأساس للسلفيين في لبنان، بحسب مؤسسها الشيخ داعي الشهال حيث قال خلال حوار معه: "هي الأم لما نشأ من جمعيات سلفية تُعنى بأهل السنة والجماعة، وكانت الجمعية هي الأكثر انتشاراً جغرافياً ودعوياً في الأراضي اللبنانية. وفي طرابلس خصوصاً حيث الثقل السني في لبنان لم يوجد غيرها من جمعيات لها أنشطة".

حاولت حركة الشهال أن يتخطى عملها العمل التنظيمي العسكري، ليطال مجالات اجتماعية وتربوية ودعوية وخدماتية، تمثل بـ"كفالة أيتام، والعمل الدعوي، ومنشورات ومساجد. تبع ذلك بناء معاهد للجمعية، بلغت خمسة معاهد عام 1991، وكذلك إذاعة، طالت معظم الأراضي اللبنانية، وغطّت جزءاً من الساحل السوري والمصري والتركي.

إلا أنه تمّ حلّ الجمعية عام 1996، وذلك على خلفية طبعها كتيباً في طرابلس يتناول الفرق والمذاهب الإسلامية، حيث تطرق الكتيب للمذهب العلويّ، واصفاً أصحابه بالفرقة "الضالة الكافرة"، فاتهمتها السلطات اللبنانية بـ"إثارة النعرات الطائفية في بعض الكتب التي تعتمدها الجمعية في معاهدها الشرعية"، وهو ما اعتبره مؤيدو الحركة السلفية بأنه قرار سياسي تم برغبة من النظام السوري في لبنان.

إن حلّ الجمعية محطة فاصلة في انشقاق العمل السلفي الهرمي وانشطاره، إذ أعقب ذلك ظهور جمعيات ووقفيات عديدة، أسّسها تلامذة الشيخ الشهال، "حيث انقلب كثير منهم على فكر الشيخ، وانقلب تلامذة التلاميذ على أساتذتهم، وراح الكلّ ينافس الكلّ على كسب الشارع الإسلامي، وما عزّز هذا التحوّل هو كثرة الجمعيات والهيئات، والشخصيات الخليجية الممولة مالياً وعقائدياً لهذه الوقفيات والجمعيات السلفية".

أما في العاصمة بيروت، فلعل أولّ عمل سلفي بارز فيها كان مع افتتاح إذاعة "صوت الإسلام" عام 1993، فقد أشرف عليها "وقف القدوة للعلم والدعوة"، وهو عبارة عن اتحاد جمعيتين، هما "جمعية التقوى" و"جمعية العلم والإيمان" بإشراف الشيخ أحمد الميكاوي الذي تأثر بمدرسة الشيخ سفر الحوالي، والشيخ سلمان العودة، والشيخ سعد الحصين وزير الأوقاف السعودي السابق. حصل بعدها خلاف داخل هذه الإذاعة بين تيارين، تيار "قطبي" قريب من أفكار علماء الصحوة في السعودية، وتيار آخر محسوب على الشيخ عبدالهادي وهبة المتأثر بفكر الشيخ المدخلي.

لم تهتم الحركة السلفية في دخول السياسة اللبنانية، على اعتبار أن المبادئ الشرعية الإسلامية تنافي فكرة المشاركة في دولة علمانية، غير أن الشيخ داعي الإسلام الشهال خرق هذه القاعدة عبر ترشحه للانتخابات النياية العام 1996، ما أدى إلى تأثير سلبي كبير على القاعدة السلفية.

اسفرت الخلافات داخل الحركة السلفية في لبنانعن تحوّلها من تنظيم هرمي بقيادة واحدة الى تنظيمات وجمعيات لها أفكارها ومناهجها ومصادر تمويلها، ما أدى لاحقاً إلى انحراف بعض هذا الفكر من فكر أساسُه إعادة المسلمين الى الأصول الأولى للدين بالتربية الى فكر يعتمد العنف في فرض أيديولجيات راديكالية، تمثلت باغتيال الشيخ نزار الحلبي، أحد أبرز تلامذة مؤسس "جمعية المشاريع الخيرية"(الأحباش) الشيخ الأثيوبي عبدالله الهرري عام 1995 في بيروت، ثم في "أحداث الضنية" أواخر عام 1999م وبداية عام 2000، حيث كان أول احتكاك عسكري بين عناصر من حملة الفكر السلفي الجهادي والجيش اللبناني.

عقب اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري في 14 فبراير(شباط) 2005 وانسحاب الجيش السوري من لبنان في ربيع 2005، عادت "جمعية الهداية والإحسان" للعمل من جديد بعد أن حكم مجلس شورى الدولة لصالحها باستئناف عملها، لكن العمل السلفي شطّ عن طريقه وعصي على الانضباط.