حميمية فارقة تطبع أعمال الزنايدي التشكيلية

مزيد التوغل في البيئة الثرية

ماذا لو تأخذنا الدهشة ونحن نقتفي أثر الحلم. هذا الحلم المتدفق من التفاصيل والعناصر حيث النظر بعين القلب لا بعين الوجه.. نعم.. وهل ثمة ما يضاهي الألوان وهي تلهو بجواهر الأشياء في أجواء يلفها ما يشبه النشيد المحفوف بالنواح الخافت.

ثم ماذا لو تجلت تلك الشذرات المنبثقة من المشهد اليومي والتي هي وحدها المشكلة لهذه التي نسميها الحياة .. ماذا يفعل الكائن عندئذ.. هل يوقد جمر الكلام وهل يلوذ بالصمت وهل يقطف برتقال اللغة ... وهل يمضي الى الصمت يحتفي بالألوان التي تقول ولا تقول .. تحاور وتحاول عوالم الأشياء.

هي عظمة الأسئلة التي لا تلوي على غير البوح تجاه الذاكرة والحنين وبما يعزز من قوة اللحظة في راهنها وشحنتها وتألقها وتوقها ومركزيتها وهامشيتها وجمالها الأخاذ وفعلها الثقافي بل الحضاري.

نعم ان الألوان تتكلم لتقول.. بل تصرخ نشدانا للعين لترى ما به يصير المشهد عنوانا باذخا من عناوين الابداع والامتاع في تجليات شتى يلونها السحر والشجن المبثوث بين التفاصيل والأجزاء.

ان الفنان يظل يسابق الرياح للقبض على المعاني وكنهها الانساني والوجداني وألوانها الملائمة في حيز انساني يتسم بالتعميم والتعويم ونثر الضباب لتقليص البون بين الحالة والآلة..

نعم الفنان يمضي ديدنه الكشف ومساءلة العناصر والموجودات نحتا للقيمة وتثبيتا لما نسميه السمو.. انه السمو بما هو ساحر وجميل وفاتن وهام في حياتنا التي يقف على أرضها المبدعون. الفنانون الذين لا يقنعون بغير النظر تجاه الشمس نشدانا للعلو وللقيمة.. أليست الشمس مهد الكلمات.. والكلمات لباسها الألوان والأصوات والحلم.

من هذا الباب الذي سميناه الحلم.. ألج عوالم أحد هؤلاء الفتية المأخوذين بالفن بما هو الحلم الذي تتعدد تيماته .. حيث البساطة التي تصول وتجول في الدروب.. الشوارع والأحياء والمدن .. والبساطة هي أصعب أعمال الفنان.

الفتى هو الفنان الكبير علي الزنايدي الذي اتخذ لفنه نهجا مخصوصا ضمن تجربة امتدت لأكثر من أربعة عقود تميزت بدأبها الجمالي وجديتها من حيث العمل على رصد الجميل في الحياة التونسية .. المدينة وعناصر حيويتها وحركتها المفتوحة على شتى العناوين والألوان.

هناك حميمية فارقة تطبع أعمال الزنايدي منها الحكاية المبثوثة في العمل التشكيلي بما بجعله يتجاوز القماشة الى فضاءات أخرى منها منها الذات المتقبلة وما تزخر به من كيانات وأحاسيس الأمر الذي يحدث ذلك التفاعل الوجداني والجمالي ليصير ضربا من الثقافة البصرية المتشبثة بالأصيل والحديث لتجعل منهما جناحين للشخصية التونسية الآن وهنا.

هذا الأمر يرافق أعمال الفنان التشكيلي علي الزنايدي في مختلف معارضه السابقة والحديثة سواء في تونس أو خارجها.

وهذا ما نلمسه في معرض سيدي علي الأخير بقاغة علي القرماسي بنهج شارل ديغول بالعاصمة.. مسحة من التجديد وعناوين شتى وتقنيات مختلفة كانت في اللوحات لتعبر عن هذا النسق الجمالي المتجدد لدر الزنايدي وهو ينظر تجاه العناصر المختلفة يحاولها ويحاورها ضمن القول بالتعاطي الثقافي والفكري والوجداني معها.

الفنان علي في هذا المعرض ومن خلال ما يسكنه من الرؤى المعاصرة سعى لتقديم أعمال ضمن عنوان المشهدية في أشكالها المختلفة لنشاهد على اللوحات حالات من الحكايات فيها البانوراما وفيها المواضيع المحددة ولكنها تحتفي بذاتها بعيدا عن الاجترار حيث الألوان الدالة على الأعماق العربية الاسلامية والعلامات التونسية المستلهمة في الحياة الومية.

حيات تنبض حركة، وتدرج في الموضوع للوصول الى بنورامية الحالة. هناك عشق مبثوث في تفاصيل الأعمال. هو عشق البيئة الغنية والمتنوعة.. الغنية بثقافتها والمتنوعة في ممكنات التأويل.

ان الفنان علي الزنايدي يستبطن جيدا جغرافيا المدينة ودلالات ألوانها وعطورها من حكايات وذاكرة ومناسبات وعلامات وتقاليد.

ان أسلوب الزنايدي اتخذ خطه الخاص به حيث المفردة التشكيلية لا تلوي على غير القول بالعمق المرادف للبساطة وفق عنوان عام هو حميمية الفهم لحظة النظر حيث تنعدم حالة الانبهار تجاه الفنان والانسان. انها فقط لحظة ارضاء الذات التي يحتشد فيها ذاك التراكم الثقافي والوجداني والشعبي بمعناه العميق. وهنا تشتغل قدرات الزنايدي.. لتواصل سيرها نحو الآفاق الرحبة التي يمنحها الفن.

لوحات بالألوان وأخرى بالخطوط. والكولاج بخبرة الفنان ليصبح وجها من وجوه اللوحة جماليا. كل ذلك وفق ايقاع فني عرف به علي الزنايدي وراح ضمنه يطور أساليب العمل والبحث والابتكار.. والزمن في كل ذلك اطار متحرك ومفتوح.

نعم.. هكذا هو التجوال في بستان الزنايدي الفني.. "ثمار وقمر" و" أزهار وسطوح" و"الرجوع الى السوق" و"الفطائري والصانع" و"ساحة المدينة" و"لعبة الشكبة" و"الخلايعية" و"على مر الأيام" و"مشاهد ليلية".

مرة أخرى تبرز القيمة والعلامة في تجربة فنان تونسي رأى في اللوحة اطارا حرا وفسيحا لمحاورة الذات والآخرين والعالم وفق ايقاع تشكيلي هاجسه التجدد ومزيد التوغل في البيئة الثرية.

البيئة التونسية بحكاياتها وأشجانها وبمختلف رموزها وعلاماتها. ولا شيء سوى نشدان الامتاع والابداع.. قولا بالعذوبة.. والسحر والجمال الوجداني والمكاني والمبثوث وفي الحالة وهي في عنفوان بهائها النادر.