صراع الإسلام السياسي ... جدل النُّصوص

أجيج الصراعات والأسباب سياسية

لا يحتاج العرب والمسلمون إلى مخطط غربي لإحداث مزيد من الانقسام، فواقع الفكر العربي والإسلامي منقسم على نفسه منذ القرون الأولى، وبالتحديد منذ اندلعت الفتنة السياسية في القرن الأول، فالانقسام الطائفي يتجاوز مفاهيم التعددية والتسامح إلى العداء والكراهية بلا حدود، وقد وصل الانقسام والتشرذم إلى مختلف فئات المجتمع، ولم يعد خافياً على أحد أن الحرب الأهلية العربية والإسلامية قد بدأت منذ العصور الأولى، ولم تتوقف إلى اليوم، وربما لا نحتاج إلى قراءة كتب برنارد لويس لفهم المخطط الغربي في التقسيم الطائفي للدول العربية، فالانقسام والكراهيه ثقافة إسلامية بامتياز.

كان الانقسام سياسياً بامتياز في حضارة المسلمين، وأضاف استخدام النصوص في توالي الانشقاقات السياسية هالة قدسية طاغية، تجعل منه حكماً دينياً في إقصاء المخالفين، ثم إعدامهم سياسياً، وقد بدأ ذلك المنهج من اليوم الأول بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، عندما رُفع نص “الأئمة من قريش” لوضع حل نهائي لإشكال الصراع السياسي بين القبائل، لكن ذلك الأسلوب لم ينجح في ردع الانشقاق عندما استخدم بعض أنصار علي بن أبي طالب رضي الله عنه لاحقاً حديث غدير خم (من كنت مولاه فعلي مولاه)، لنسف شرعية اختيار خليفة للمسلمين في السقيفة، وقد مهدت تلك الخلافات لبدء الصراع السياسي الكبير فيما يُطلق عليه بالفتنة الكبرى.

خلال الفتنة توصل بعض المسلمين لحل التكفير للخروج من الأزمة السياسية، عندما رفع بعضهم النص القرآني {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا}، وكان نتيجة ذلك أن تم تكفير صحابة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وكان من نتائجها مقتل الإمام علي رضي الله عنه، ونجح بعد ذلك مفهوم “الجماعة” في رأب الصدع الكبير في الإرث الإسلامي، لتبدأ مرحلة سياسية، لكنها لم تخل من استمرار الحراك السياسي في هيئة الدين، كان من أهم تطوراتها خروج المعتزلة بحل لقضية التكفير لنزع الولاية، عندما قدموا حكم بطلان ولاية الفاسق {أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لَّا يَسْتَوُونَ}.

نجح الطالبيون في الثورة على الأمويين رافعين شعار وصية رسول الله عليه الصلاة والسلام (إن هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا)، لكن العباسيين اختطفوا السلطة في مشهد سياسي ديني لا يُنسى عندما استخدموا نص (لا وصية لوارث)، لكن استخدام النصوص لم يتوقف عند ذلك، فقد خرج منهج الخروج على السلطان وقتال البغاة والذي استخدمه الجميع لرفع السلاح من أجل إصلاح الشأن السياسي من الجانبين لقوله تعالى {فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ}.

وضع أهل السنة والجماعة حداً شرعياً لمسألة الخروج على الولاة عندما دعوا إلى عدم الخروج على السلاطين تطبيقاً لقول رسول الله عليه الصلاة والسلام (من كره من أميره شيئاً فليصبر، فإنه من خرج من السلطان شبراً مات ميتة جاهلية)، و(من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية)، وأن يقفوا ضد ظاهرة التكفير السياسي في أن الإيمان قولاً وعملاً يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وأن الولاية تجوز لكل بر وفاجر.

خرجت بعد ذلك الصوفية لتقدّم رؤية فلسفية إن صح التعبير في الحياة، ولتعلن اعتزال السياسة واجب ديني، كاحتجاج على الحروب الدموية بين المسلمين، فالعزلة والصمت والسهر والجوع من أركان التصوّف، واستخدموا النصوص القرآنية لوضع أركان مذهبهم الاجتماعي الديني الجديد، فالعزلة {وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ } (48) سورة مريم)، والصمت {فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا}، والتعبد والتقرّب من الله عزَّ وجلَّ {قُمِ اللَّيْلَ}.

أدى ذلك لاحقاً إلى خروج جماعات تؤسس لدين جديد صلبه إخراج العامة تماماً من الدين ومن تداول النصوص، وذلك من خلال أنه لا طريق للعلم الديني إلا من خلال التفسير الباطني للإمام المعصوم، وتفسيره قطعي لا تجوز مخالفته، وجاء تسويغ التفسير الباطني السياسي الهوى في أنه لا بد لكل محسوس من ظاهر وباطن، فظاهر ما يقع الحواس عليه، وباطنه ما يحويه ويحيط العلم به بأنه فيه، واستدلوا في ذلك بقوله تعالى: {وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} وقوله: {وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً }، وقوله: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ}.

في العصر الحديث رفع الجهاديون الجدد رايات الاقتتال تطبيقاً لحديث (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله)، والآية الكريمة {قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ}، وذلك من أجل توحيد الأمة تحت راية الجهاد ضد الكفار في داخل الأمة وخارجها.

وقد لا نحتاج إلى أكثر من ذلك من أجل إيضاح المشهد التفصيلي في تأجج الصراعات في تاريخ المسلمين من خلال جدل النصوص واستخدامها في الأغراض السياسية، لهذا السبب قد لا يحتاج الغرب إلى كثير من العناء في تطبيق مخططاته لتقسيم الأوطان العربية والإسلامية، لأنها منقسمة في صورة قد يصعب إصلاحها ما لم تحدث معجزة ربانية في المستقبل، والله على ما أقول شهيد.

عبد العزيز السِّماري

نشر في الجزيرة السعودية