حزب الله.. وسياسة اللسانين!

في العد؛ تكاد لا تحصى الوقائع التي يقول فيها "حزب الله" ما يخالف أفعاله. البحث في بياناته وتصريحات قياداته يظهر كماً كبيراً من "البراغماتية". الأدلة على استعمال الحزب لسانين إذا اقتضت الضرورة، أو تبديل لسانه مع تبدل المصلحة؛ أكبر من أن يجمعها مقال.

أثناء العدوان في العام 2006؛ كان لسانه تجاه حكومة الرئيس السنيورة رطباً، وعندما وصف حليفه الإستراتيجي نبيه بري حكومة فؤاد السنيورة بحكومة "المقاومة السياسية" صمت الحزب تماماً، ثم ما لبث أن انقلب على هذه الحكومة، متهماً إياها بأوصاف الخيانة المختلفة. حاله مع السوريين كانت أشنع؛ فقد أشاد الحزب باستقبالهم جمهوره في العام 2006، لكنه كافأهم اعتباراً من العام 2011 بالإسهام بقمعهم، ثم الإسهام بقتلهم في العام 2012، ثم تحوّل رأس حربة في تهجيرهم واحتلال أرضهم في العام 2013، بعدما صار اسمهم وفق قاموسه: تكفيريين.

في لبنان يقسم الحزب خصومه ما بين "إلغائيين" و"تكفيريين". النائب محمد رعد مهاجماً خصومه –وكأنه يتكلم عن صفتين في حزبه- يقول: "لقد بات اللبنانيون جميعاً، يفهمون سر التناغم بين الإلغائيين في السياسة والتكفيريين في العقيدة والثقافة، فالمدرسة والمنهجية واحدة" (24/11/2013). بالانتقال إلى الوقائع؛ يقدم الحزب أدلة -في كل يوم- على عدم تسامحه مع المخالفين، لا سيما الشيعة منهم. هؤلاء إما مهجرون خارج مناطقهم، وإما محاصرون في بيوتهم. رامي عليق شاهد واحد على "إلغائية" الحزب. الشهيد هاشم السلمان دليل فاضح على كيفية تعاطي عسكر الحزب مع من يتجرأ على التظاهر ضده. غزوة اليسوعية خير شاهد على احترامه الديمقراطية! أما المتدينون السنة؛ فهم تكفيريون إن كانوا ضده، ومقاومون إن كانوا معه، حتى لو كان أحدهم الشيخ عمر بكري (أحد نواب الحزب تطوع للدفاع عنه فيما تولى النفوذ باقي المهمة. بكري تطوع لتبرئة الحزب من انفجار بلغاريا معلناً أن أحد تلاميذه هو المفجر!)

عندما سئل السيد حسن نصرالله عمَ تريده إيران من لبنان؛ أجاب: "لا تريد سوى أن نكون على تفاهم مع بعضنا البعض" (3/12/2013). لسان نصرالله عاكس تصريحات مشهورة تجعل من لبنان "عمق الدفاع الاستراتيجي لإيران" (القائد العام للقوات المسلحة الإيرانية اللواء يحيى صفوي-8/9/2012)، وهو تناسى كلياً الوجود العسكري الإيراني في لبنان، الذي أكده القائد الأعلى للحرس الثوري الإيراني محمد علي جعفري بنفسه عندما قال "إن عناصر من قوة القدس التابعة للحرس الثوري موجودون في سوريا ولبنان... ونحن نقدم نصائح وآراء ونفيدهم من تجربتنا" (16/9/2012).

أما في ملفي الجريمة والفساد، فحدث ولا حرج؛ من فضائح حبوب الكبتاغون والسيارات المسروقة، مروراً بسرقة الكهرباء والتعدي على الأراضي المشاع، وصولاً إلى تقديس المجرمين وتقديم الحماية لهم. لسان الحزب يقول إنه يريد الدولة فيما هو يقيم الأمن الذاتي. لسانه يقول: لا نشاط للحزب في الخارج. الوقائع القضائية تقول إنه أضاف إلى رصيد نشاطه الخارجي هذا العام؛ انفجار بورغاس في بلغاريا، وسفينة الأسلحة إلى الحوثيين في اليمن، ومحاولتي هجوم في قبرص ونيجيريا.

في الأسبوع الماضي أضافت المجموعة اللبنانية للإعلام (تلفزيون المنار وإذاعة النور) التابعة للحزب شاهداً جديداً إلى هذا السجل. كانت المجموعة مهددة بإلغاء عضويتها من "اتحاد إذاعات الدول العربية"، ما يعني حرمانها من البث عبر المؤسسة العربية للاتصالات الفضائية (عرب سات)، والشركة المصرية للأقمار الصناعية (نايل سات)، وذلك على خلفية شكوى البحرين من تغطيتها "المنحازة" لأحداث البحرين. أحيلت الشكوى إلى الأمانة العامة لجامعة الدول، فصادق مجلس وزراء الإعلام العرب وأحالها إلى الجمعية العامة لاتحاد الإذاعات العربية، فلم يجد وفد المنار المشارك في الاجتماع في العاصمة التونسية بداً من تقديم اعتذاره إلى هيئة شؤون الإعلام في مملكة البحرين، و"التعهد مستقبلاً باعتماد الموضوعية في تغطيتها (المجموعة اللبنانية للإعلام) لأخبار الدول العربية وما يجري فيها من أحداث، واحترامها للمعايير المهنية... وإجراء التقييم الدوري لسياستها التحريرية لتتناسب مع المواثيق والمعاهدات الدولية والمهنية المعتمدة، وتصويب ما يخرج عن هذا الإطار، والعمل على حفظ العلاقات الطيبة مع كل الأشقاء العرب، لا سيما مملكة البحرين"، وقد تلا مدير عام اتحاد الإذاعات العربية، بيان الاعتذار في الاجتماع نفسه.

بعد يومين أصدر "حزب الله" بياناً أقر فيه بحصول الاعتذار، لكنه اعتبر أن "الموقف تم دون الرجوع إلى قيادة حزب الله، وكان تقديراً خاصاً من الوفد الممثل لإدارة المجموعة اللبنانية للإعلام". بعد عودة الوفد إلى لبنان؛ سُئل مدير عام "المنار" عبدالله قصير عن الاعتذار فاعتبره مجرد: "تسوية لمنع سحب العضوية من اتحاد الإذاعات العربية"!.

للتذكير؛ سبق للحزب أن أنتج "تسويات" مماثلة كثيرة؛ فقد تعهد في الدوحة بعدم إسقاط الحكومة، ثم فعل، وتعهد في السابق أن تبقى وجهة سلاحه في مواجهة العدو الإسرائيلي لكنه وجهها إلى صدور السوريين!