'سلم إلى دمشق' يسأل: سوريا إلى أين؟

نصيب كبير من التغطية الإعلامية والنقدية

لا بداية مكتملة تماماً مثل قصة الفيلم كله، وكأن المخرج محمد ملص كان يبحث مع المشاهد عن الخطوة الأولى للإقلاع وسط ذلك الازدحام الهائل بالصور، وهو المعروف بميله نحو هذا النوع من السينما، حيث يترتب على المتلقي مهام كبيرة ليفهم مقولة العمل على العكس من السينما التقليدية التي تقضي بقصة واضحة البداية والذروة والنهاية.

سلم إلى دمشق، أم سلم إلى الحرية، أم سلم إلى سوريا جميعها تحمل المعنى نفسه في ظل الواقع الحالي، إذ ذهب ملص (مواليد 1945) إلى واقع المجتمع السوري بتنوعاته الجغرافية التي أفرزت بالضرورة تنوعات طائفية ومناطقية حتى أصبحت البلد وكأنها قطعة فسيفسائية اختبرت مدى متانتها بعد قيام الثورة السورية وذلك كله ضمن نوع سينمائي هو أقرب إلى الفنون الأخرى من مسرح وفن تشكيلي ورواية وأدب قصصي أيضاً، ويندرج تحت النوعين الروائي والوثائقي بما هو أقرب إلى سينما المؤلف.

يجمع الفيلم مجموعة من الشباب والصبايا السوريين في مكانٍ واحد، وفي زمان واحد هو زمن بدء الثورة، أو بمعنى أوضح هو زمن بدء الحرب، لنكتشف معهم تجارب ووجهات نظر مختلفة حول الوضع الراهن دون أن يضطر أي منهم إلى التصريح بشكلٍ مباشر، فالكلمة الموجزة مع الصورة هو أسلوب معروف لدى محمد ملص. أما ما سنكشفه فيشبه بالطبع سوريا اليوم موجوعة، تحترق، فيها من الحب والأمل ما هو مساوٍ للألم والكره.

يروي "سلم إلى دمشق" ومن خلال لقاء الفتاة التي تأتي لتسكن في دمشق مع المخرج الشاب وقصة الحب التي تبدأ بينهما، أحوال أبناء البلد الذين يبدؤون بالمقابل بالتغيير في خضم الأحداث التي تنشب في الشوارع السورية، حيث نتعرف في هذه اللحظات على الوسط المحيط بينما نحن نراقب عزلة مجموعة الشباب والصبايا داخل المنزل الذي يسكنونه في حارات دمشق القديمة.

من الواضح أن ملص قد بدأ بتصوير فيلمه قبل بدء الانتفاضة الثورية في بلده، معرجاً بعدها بالسيناريو الذي كتبه مع المؤلف والكاتب سامر إسماعيل، بالمرور على القضايا الساخنة التي يصعب على السينمائي والفنان تجاهلها وكأنها لم ولا تحدث. ومن الواضح كذلك تعاطف وتضامن ملص مع ثورة شعبه في سوريا عبر ما قدمه من أفكار مجتزأة على لسان الشخصيات وأخرى شرحته الصور والأصوات الخارجية في المشاهد. إلا أنه وإذ يحيي كرامة السوريين ويقف إلى جانبهم في مطالبهم العادلة من وجهة نظره، يعيب على الناس الفكر الطائفي معلناً على لسان الرجل الطرطوسي أن النظام الحالي قد أخذ جميع مواطنيه في رحلة إلى خراب لا نهاية له حالياً ولا تصور لوقفه عند حده.

الشاعر السوري غسان جباعي والذي كانت له الفرصة ليكون أحد معتقلي النظام السوري في الزمن الماضي، شارك في "سلم إلى دمشق" متخذاً من دوره منبراً للتعبير عن رأيه تجاه ديكتاتورية لم يسبق لها مثيل في التاريخ الحديث، مشيراً إلى أنه وما إن عرض عليه ملص فكرة المشاركة حتى قبل بها، ليمثل جيل ما قبل الثمانينيات، جيل المناضل عمر قشاش الذي انتحرت ابنته بسبب اعتقاله. حيث بدا له أن المخرج يريد أن يمزج في فيلمه الجيل القديم والجيل الجديد في صراعهما مع الاستبداد من أجل الحرية.

ويقول جباعي في الفيلم: "لما بتطلع عالشام وبشوف الناس الي راكضين على شغلن موطيين روسهم وساكتين والناس الي راجعين على بيوتهم وحاملين خضرة ولحمة ولما بشوف الناس الي قاعدين قدام التلفزيون وعم يتفرجوا بحس وبفهم ليش سعد الله ونوس كتب مسرحيته الفيل يا ملك الزمان".

ويضيف: "بتساءل بيني وبين حالي ليش ليش شو الهدف إنك تحبس عشرات الآلاف من الناس 17 سنة وعشر سنين و5 سنين شباب بأول أعمارهن بيفوتوا على السجون بدون ذنب بدون محاكمة بدون سبب.. واحد قلك لأ بس أنا ما بتفق معك بالرأي إلي رأي آخر.. بتحبسه عشر سنين ليش ليش ليش".

هذا السؤال كان السبب في الثورة السورية بحد ذاتها، والسبب كذلك في انتفاضة من كان مع النظام حتى اكتشف وجهه الحقيقي واكتشف كم هو مؤلم أن يكون دمك رخيصاً في بلدك وعلى أرضك، بغض النظر عن مدينتك أو طائفتك.

ويقودنا السؤال ذاته في إلى آخر يتطلب منا البحث عن إجابات من غير المحتمل أننا نملكها اليوم، وهو: سوريا إلى أين؟ الشيء الذي يتجسد في نهاية الفيلم، عندما يحاول الشباب الصعود إلى السطح للهتاف حرية حرية وإذ بدوي انفجار لا يسمح لنا بمعرفة مصيرهم.

قد يذهب المشاهد في رؤيته للعمل نحو أماكن أكثر عمقاً، لتحيل إليه الصور كل واحدة على حده بأنها لوحة تشكيلية أو ملصقاً فنياً يشير بدوره إلى أبعاد متعددة ترتبط حتماً باللون والفكرة معاً. وهو ما ليس غريباً على سينما محمد ملص، إذ تحمل أفلامه إشارات رمزية تضطر المتلقي إلى البحث والتعمق ليفهم دلالاتها وما ترمي إليه.

لا يقف فيلم محمد ملص عند الموضوع الذي يطرحه من خلال مجموعة مشاهده، إنما يتعدى ذلك ليصل إلى التركيز على دور الفن عموماً والسينما بالتحديد من الواقع السياسي والظروف المعيشية للمواطن، فيسهم بذلك في تشكيل أو بناء السلم نحو الديمقراطية والعدالة والحرية التي تضمن حقوق وكرامة شعب كامل.

الفيلم وبعد مشاركته في مهرجان تورنتو السينمائي قبل أشهر، شارك قبل أيام في مهرجان دبي السينمائي الدولي، وكان له نصيب كبير من التغطية الإعلامية والنقدية.