اليوم العالمي لحقوق الإنسان: مناسبة تستدعي سخرية السوريين

أنا إنسان ماني حيوان

لا يوجد الآن أكثر من اليوم العالمي لحقوق الإنسان والذي يصادف 10 ديسمبر / كانون الأول من كل عام، ليكون مدعاةً لسخرية السوريين الذين يعانون وبشكلٍ يومي من أشرس وأقذر أنواع الانتهاكات الإنسانية في تاريخ العصر الحديث. ويسألون: أين حقوق الإنسان مما يحدث في سوريا؟ هل الإنسان السوري يختلف في مواصفاته عن ذلك الإنسان التي تمنع المعايير الدولية انتهاك إنسانيته؟

منذ ثلاث سنوات تحوّل هذا اليوم إلى مناسبة سورية بامتياز لتفريغ غضب الشعب السوري من العالم كله، فمع بدء الثورة السورية تصاعدت حملة الانتهاكات اللاإنسانية التي واجهت قسماً كبيراً من السوريين، سواء من الذين قاموا بالثورة وشاركوا فيها أم من الذين لم يكن لهم فيها ناقة ولا جمل. وقد أصبح صمت المتفرجين من أصحاب القرار بمثابة الموافقة وتقديم الضوء الأخضر للمزيد والمزيد من التنكيل بالإنسان السوري وبمختلف الوسائل المتاحة.

هنا يصبح الفن في خدمة الإنسان المظلوم، والمعبر الأكبر وربما الوحيد عنه. وفن الجرافيك وباعتباره أحد أكثر الفنون التي ازدهرت في سنوات الانتفاضة السورية، كان لا بد وأن يضع بصمته لتعرية اليوم العالمي لحقوق الإنسان. ولفضح ما تدعيه بعض الدول من حمايتها لمعايير الاتفاقية التي أقرت عام 1948 والتي تؤكّد على أن الكرامة والعدالة الاجتماعية هي حق لكل إنسان على هذا الكوكب بغض النظر عن دينه وجنسه وعرقه.

تنديداً بالسياسة العالمية تجاه الوضع السوري وجد فن الجرافيك شعار الأمم المتحدة والذي يشير بدوره إلى اليوم العالمي لحقوق الإنسان، مادة مثالية لصناعة فن يحمل مضموناً وشكلاً يتساويان بالهدف ويسعيان إلى المكان ذاته، لعله يؤثر بضمير الأفراد في حين فشلت المشاهد الحقيقية والواقعية بالوصول إلى رد فعل دولي يدين ويجرّم القاتل.

في الثورة السورية كانت عبارة "أنا إنسان ماني حيوان وهالعالم كلها متلي" والتي قالها إنسان بسيط من ريف الشام، أيقونةً هزّت من كان صامتاً من السوريين. فالكرامة لم تعد مجرد مفهوم يدرسونه على الورق وفي كتب المدرسة، إنها اليوم حلم يتطلعون إليه وبإمكانهم تحقيقه. وإنّ هذه العبارة بالذات، تصلح لتكون إعلاناً سورياً لحقوق الإنسان تلخّص بين حروفها ذلك الإعلان العالمي بكل بنوده ونقاطه التفصيلية. وقد أصبحت مادةً فنيةً أيضاً يمكن أن تجدها في السينما والمسرح، إلا أنك ستجدها حتماً في لوحات فنانين تشكيليين وفي صور مصممي الجرافيك خاصةً عند تصميمهم لأعمال من وحي اليوم العالمي لحقوق الإنسان.

وتعرض "دولتي" وهي مشروع غير ربحي لبناء القدرات والعمل على تطوير مواد تدريب بصرية وسمعية ونصية عن التحول الديمقراطي والعدالة الانتقالية في سوريا، عملاً فنياً بتوقيع "سوريالي" يحمل عنوان "أنا إنسان ماني حيوان"، فيه من التجريد ما يحيل إلى مقاربة موجودة فعلاً بين الإنسانية وعدمها. كذلك فإن عمل الفنان محمد الطيب وعنوانه "بتعرف شو حقوقك؟" يحيل إلى الفكرة ذاتها والتي توضح الفرق بين الإنسان والحيوان من جهة، وتدين من لا يزال غير مدركٍ لحقه في عيش حياة حرة وكريمة على الأراضي السورية.

وفي عمل الفنان سمير خليلي يبدو من الصعب على المواطن السوري وبعد كل ما يعيشه من معاناة وقهر وألم، أن يستوعب بنود الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، إنه يحتاج إلى "عدسة مكبرة" ليرى ويفهم أن بنود الاتفاقية تعي ما تقوله فعلاً، ولمرآة ليعرف هل هو إنسان.. أم لا؟

قمة الاستهزاء بما يقوله الإعلان المعني بحرية وكرامة وعدالة الإنسان في العالم، والذي لم يكن إلا مجرد حبراً على ورق في السنوات الماضية بالنسبة للسوريين، نجدها في عمل الفنان ماهر أبو الحسن، الذي وظّف شعار هذا اليوم العالمي مطبوعاً على ورق الحمام، كإشارة واضحة ومباشرة على أنه لا ينفع في شيء.

لفنان الكاريكاتير جوان زيرو أسلوبه الخاص في تعبيره عن حقوق الإنسان كمفهوم لا ينفع وسط كل القتل والدم الذي يحيط بأبناء سوريا، فلم يجد إلا "إصبع" السلطة الضاغط على رأس السوري، ليكون أبسط وأكثر تعبير حقيقي عن الواقع المعيش في البلد، حيث لا يحق لمخلوق أن يقول لا أو أن يرفع رأسه ليعيش بكرامة تليق بإنسانيته.

بالعموم تشرح صور الجرافيك التي رسمها وصمّمها فنانون سوريون، كيف تخلى الإنسان في العالم عن الإنسان السوري، وكأن هذا الأخير لا يملك الحق في الألم والصراخ حتى. عارضين لمشاهد مختلفة من هنا وهناك تحكي ولو باختصار وتجريد عن واقع المأساة السورية وسط صمت واستهتار دوليين.

أيضاً فإن بعض الصور واللوحات تدين المجازر الكثيرة التي تكررت مشاهدها في مدن ومناطق سورية عديدة منذ بدء الثورة وحتى اللحظة وكان الاختلاف الوحيد فيها هو أسماء الضحايا واسم المكان.