بيروت... دارت الدوائر وفُجرت سفارة إيران!

كيف يعيد الزَّمن نفسه بأعاجيب، في شتاء 1981 (15 ديسمبر) قطع تفجير هائل ظهيرة بيروت، ولعلَّ قتل زوجة نزار قباني (ت 1998) العراقية بلقيس الرَّاوي، في تلك الكارثة جعل الحدث يتجدد على الألسن، من خلال ما كُتب ومن قصائد الشَّاعر، وكانت تعمل مساعدة للمستشار الصحافي العراقي حارث طاقة الذي لقى حتفه في الانفجار، ويبقى من أعضاء القتلى ما يؤلف جنازة. وإذا قتلت الراوي بفعل إسلامي فإن القباني عبث بجنازته الإسلاميون أيضاً. ففي مسجد لندن هاجوا على الجنازة بحجة أنه صاحب قصيدة «يا ولدي قد مات شهيداً مَن مات فداءً للمحبوب»، لكنهم لم يعلموا أن نزار أحفظ منهم للحديث «مَنْ عشق فعف فكتم فمات مات شهيداً» (الهندي، كنز الأعمال).

تكرر الحدث لكنه هذه المرة نفذ في من أعلن آنذاك تدبير الانفجار الأول (1981)، فيوم (19 نوفمبر 2013) هزَّ بيروت انفجار هائل قرب السفارة الإيرانية، كان ضحايا الانفجار القديم أكثر مِن ستين، وحصيلة الانفجار الجديد، بعد 32 سنةً، 23 ضحيةً، وإصابة 146 شخصاً، بينهم الملحق الثقافي.

تبنت الأول قوى إسلامية عراقية، والضحايا كانوا من العاملين العاديين ومن اللبنانيين والعراقيين المراجعين لهذا الغرض أو ذاك. بينما تبنت الثاني جماعة أطلقت على نفسها «سرايا الحسين بن علي» المتفرعة من «كتائب عبدالله عزام»، والأخير أحد أبرز الحاثين الشباب على القتال بأفغانستان وقتل بالسلاح الذي كان يعد الشَّباب له، انفجار لغم (نوفمبر 1989).

كانت القوى الإسلامية الشيعية تعتبر نفسها سرايا الحسين كافة. ولكم قياس التَّشابك بين السياسة والدين، وكم صار الحسين وآل علي تجارة رابحة، ليس اليوم وإنما منذ زمن بعيد. فابن الزُّبير (قُتل 73 هـ) ولّى المختار الثَّقفي (قُتل 67 هـ) الكوفة، بعد أن نصحه الأخير بتوظيف مصائب الهاشميين: «إني لأعرف قوماً لو أن لهم رجلا له رفق وعلم بما يأتي، لاستخرج لك منهم جُنداً تغلب بهم أهل الشام. فقال: مَن هم؟ قال: شيعة بني هاشم بالكوفة» (المسعودي، مروج الذَّهب). حتى في زمن الحرب العراقية الإيرانية، وتفجير السفارة العراقية فصلا من فصول تلك الحرب، كانت صواريخ البلدين تسمى بالحسين والعباس، فتخيل أن الحسين يضرب العباس! كم الحال تبدو مضحكة وكم تبدو مبكية أيضاً!

كانت بيروت آنذاك دار حرب بالشوارع وعلى سطوح المباني، مكشوفة من البر والبحر والجو، ومع ذلك لم تغلق بلدان العالم سفاراتها، ولم تقطع دوائر المخابرات اتصالاتها. كانت سوقاً مفتوحة لبيع الجزر والصواريخ. يدعم العراق قوىً وسوريا تدعم أخرى، والنزاع بين شطري «البعث» قائماً حتى دخلت إيران طرفاً.

ليس خافياً، كانت القوى الإسلامية العراقية تتدرب بالزَّبداني الدمشقية في معسكرات سرايا الدفاع، فبعد حين أخذ المتدربون يتحدثون، ونعيد ما ذكرناه سابقاً من رسالة جابر الجابري إلى رئيس الوزراء نوري المالكي، بعد عزله من وكالة وزارة الثَّقافة، يُذكره فيها بجهاده القديم، في حزب «الدَّعوة». قال وكان اسمه الحركي «مدين الموسوي» مثلما كان اسم نوري المالكي «جواد»: «المجاهد الذي حمل السلاح منذ الدورة العسكرية الأُولى التي أقامها حزب الدَّعوة في جبال الزبداني، على يد ضباط سرايا الدفاع السورية عام 1980» (مؤرخة في 17 يونيو 2012).

يومها كان العراق يتهيأ لاستضافة قمة رؤساء دول عدم الانحياز (1982)، والبناء والعمران جارٍ ببغداد استقبالاً لهذا الحدث، فعقد مثل هذا المؤتمر قد يضع حداً للحرب التي تغيرت موازينها وصار العراق يسعى لوقفها بينما تصر إيران على استمرارها حتى سقوط النظام العراقي، وتحرير القدس بعد (تحرير) كربلاء، هكذا كان الحديث نافقاً في الحرب الفعلية والإعلامية الضروس.

فكان تفجير السفارة العراقية واحداً من الضغوط على دول عدم الانحياز لتغيير مكان مؤتمرها؛ وبالفعل حصل هذا. حدثني مَن أثق به، من الإسلاميين السابقين، أن أبا مريم الكرادي، الانتحاري الذي فجر نفسه في السفارة العراقية، قد مرّ عليه بحي الست زينب وكأنه يودعه، من دون الإفصاح عن وجهته، ولما سمع صاحبنا بالانفجار وهلاك أبي مريم أدرك معنى ذلك الوداع، وبهذا يسجل أبو مريم نفسه أول انتحاري إسلامي، فتنظيم «القاعدة» لم يبدأ عملياته إلا بعد حين.

كثر الحديث عن نسبة التفجير لحزب «الدعوة الإسلامية»، ومدير الأمن العام العراقي الأسبق فاضل البراك (أعدم بعدها) ينسبها إلى «جماعة غير محددة بالتعاون مع إيران عبر سوريا، قُتل فيها 51 شخصاً» (استراتيجية الأمن القومي آراء وأفكار). لقد كثر الكلام في هذا الموضوع، وحزب «الدعوة» لم يتبرأ مِن هذا الفعل، لأن ذلك مفيد لتأكيد جهاده، بل أعلن مسؤوليته عن حوادث لم يفعلها، مثل محاولة اغتيال عدي صدام حسين (سنة 1996).

على أية حال، كان تبادل التفجيرات بين البلدين قائماً على قدم وساق، والعمليات التي قامت بها القوى الإسلامية العراقية في زمن المعارضة ليست قليلة، حتى أن بعض الناشطين الإسلاميين انتقدوا، بعد حين، تلك العمليات لأنها دفعت خسائر كبيرة بسببها. وحسب تعبير أحد قادتهم كانت الحركة الإسلامية «غير مدركة للعواقب الوخيمة» (مقابلات أجرتها صحيفة المؤتمر 1995).

بعد 32 عاماً تواجه سفارة إيران الموقف نفسه، في المكان نفسه، مع اختلاف الاستقطابات وتبدل أطراف النزاعات، فبغداد لم تعد عدوة لطهران بل أكثر من صديق، وهو انتصار حققه لها «الشيطان الأكبر»، عدوتها التاريخية أميركا. ولعل ذوي ضحايا التفجير الأول نشدوا وهم يرون هول الانفجار الثاني وتمزق أشلاء الضحايا أيضاً لبدوي الجبل (ت 1981) نجل شيخ الطائفة العلوية يومها، وهو يقول لفرنسا بعد أن استباحتها الجيوش الهتلرية، في الحرب العالمية الثانية، وكانت باريس قد استباحت دمشق مِن قَبل: «سمعت باريس تشكو زهو فاتحها/أما تذكرت يا باريس شكوانا»!

إذا تم القصاص مما فعلته أجهزة النظام العراقي السابق ضد إيران، بسقوطه وما حصل لقيادته، على يد «الشيطان الأكبر»، فيبقى ما فعلته الدوائر الإيرانية بالسفارة العراقية (1981)، والمغردين بسربها طلقاء. لذا أرى أن يُحقق بالحادثتين معاً، ويُحاسب كل مخطط لهلاك الأبرياء، سواء كانوا من عمال سفارة العراق أو سفارة إيران.

لقد دارت الدوائر ولا مأمن من العنف. لكن العجيب أن اسم الحسين مقحم في الانفجارين، بنسختي الإسلام السياسي السنية والشيعة!