الربط بين مؤتمري جنيف الايراني والسوري

في وقت استعر الحراك الدبلوماسي السري والعلني لعقد جولة اطار الاتفاق في مفاوضات ايران النووية في جنيف، وفي وقت استعرت الساحة السورية بمعارك الكر والفر وسط اعلان انطلاق جنيف 2 منتصف كانون الاول المقبل، حاولت وزيرة خارجية الاتحاد الاوروبي كاترين اشتون، اطلاق اشارت توحي بأن مؤتمري جنيف الايراني والسوري غير مرتبطين، فما هي خلفية هذه الاشارات وهل هي عملية أو واقعية؟ وبمعنى آخر هي يمكن فصل المسارات في ملفات الشرق الاوسط؟

على الرغم من بعض الخصوصية التي تحكم كلا المؤتمرين لجهة الموضوعات والوسائل المتبعة في سياق الشد والجذب التفاوضي، إلا ان ثمة ترابط واضح في القضايا الاستراتيجية المتعلقة في منطقة الشرق الأوسط، وبالتالي من الصعب القول ان ثمة امكانية للفصل بين سياق المؤتمرين لجهة التوقيتات المقترحة والأهداف المعلنة وغير المعلنة منهما.

فجنيف 2 السوري المقترح في اواسط كانون الاول المقبل لم تكتمل شروط انعقاده عمليا، رغم اطلاق التصريحات المتفائلة حوله، فمن الواضح والمسلم به، ان الاطراف السورية معارضة وموالاة تربط حضورها وجداول اعمالها على وقع المكاسب العسكرية المفترضة على الأرض، ويبدو واضحا ان هذه الاطراف ربطت المؤتمر بالظروف العسكرية الحالية الجارية في منطقة القلمون على الحدود السورية اللبنانية التي تعتبر فاصلة بالنسبة إليها اقله في المرحلة الحالية، كما كان الأمر فاصلا بالنسبة إليها في معركة القصير الذي ربطت نتائجها في سياق الشد والجذب لمقترحات جنيف 1، وعليه فان جنيف 2 لم تتحقق ظروفه مقارنة بالتاريخ المقترح، وعليه سوف يؤجل اقله إلى شهر كانون الثاني من العام المقبل كما اطلقت بعض الاشارات الاوروبية في اجتماع بروكسل لوزراء الخارجية الاوروبيين. ورغم ذلك لا يمكن اعتبار هذا الموعد نهائيا، اذ من الممكن ان تنشأ ظروف اخرى متعلقة بالمؤتمر نفسه أو بقضايا اقليمية ذات صلة فيه، وبالتالي اما تؤجله مرة اخرى وإما تجعله وسيلة للضغط في القضايا الاقليمية المرتبطة به.

وفي المقلب الآخر المتعلق بجنيف الإيراني، وان انطلقت فعالياته بزخم اميركي وإيراني كبيرين، إلا ان اطار الاتفاق يبدو من الصعب بمكان التكهن بمآلاته النهائية في المدى المنظور، وان كان جميع ما يرتبط فيه من مواقف توحي بايجابية النتائج، إلا ان مستوى التداخل بين ملفات الأزمة السورية ووقائعها، ومتطلبات الملف النووي الايراني ووسائل استثماراته، يتطلب نوعا من الربط والوصل في انعقاد مؤتمري جنيف السوري والإيراني لجهة شكل ومضمون الانعقاد ووسائل الضغوط المستعملة فيهما.

اضافة إلى ذلك، ان القراءة الاسرائيلية للملف النووي الايراني والكيميائي السوري، تجعل من مسار المؤتمرين وانعقادهما امرا مرتبطا بالرضا الاسرائيلي ومدى التقديمات والجوائز المفترضة لها. فزيارة الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند إلى تل ابيب مؤخرا وظهوره بمظهر حامي حمى امن اسرائيل اكثر من الاسرائيليين انفسهم، اضافة إلى موقف وزير خارجيته في اجتماعات جنيف السابقة وتصلبه في مواجهة الاميركيين من تقنيات التخصيب الايراني، توحي بأن اسرائيل راغبة في المضي إلى النهاية في استثمار هذه الوقائع بصرف النظر عن حجم ومدى فعاليتها العملية. وما يعزز هذه الرؤية موقف وزير الدفاع الاسرائيلي موشى يعلون من ملفات المؤتمرين بقوله، "إننا نقول، ان من يريد السلام عليه أن يستعد للحرب، وإذا تطلب الأمر المجابهة فلنتجابه، من أجل ألا يمتلكوا سلاحاً نووياً".

ان تعقيدات الملفات الاستراتيجية في الشرق الاوسط وتشعب الفاعلين فيها وتعدد المستفيدين منها وحاجتهم المتزايدة لتبادل المكاسب والمنافع والتقليل من الخسائر، تعزز من فرص ربط اي مؤتمرات لمعالجة هذه الملفات، ومن بينها مؤتمري جنيف الايراني والسوري، سيما وان مستقبل الوقائع المرتبطة بهما هي من النوع القابل للاستثمار أولا، وقابلية هذه الوقائع للامتداد الزمني ثانيا، وهو امر مطلوب ومرغوب به اقله من طهران ودمشق.

اما الأخطر والأبرز في ذلك، امكانية دخول لبنان أيضا في سياق المؤتمرين، سيما وان معركة القلمون وبصرف النظر عن وقائعها ونتائجها المفترضة، ستنقل القسم الأكبر من تداعيات الأزمة السورية إلى لبنان، فهل سيُحجز للبنان مؤتمرا خاصا به بعدما حُجز مقعدا له في جنيف 2؟ ان تاريخ لبنان السياسي المعاصر حافل باللجوء إلى جنيف كمكان لمناقشة مشاكله ومتاعبه، ويبدو انه لن يشذ عن هذه القاعدة، ما يؤكد ويعزز من مسار جنيف الايراني والسوري وربما اللبناني لاحقا.