العاهل المغربي يدعو البرلمان إلى استخدام كل إمكانات الدستور

الاصلاحات المتتالية تتوازن فيها المؤسسات

الرباط ـ افتتحت الاثنين بالرباط، في اطار تخليد المغرب للذكرى الخمسين لإحداث البرلمان، أشغال ندوة دولية حول موضوع " 50 سنة من العمل البرلماني بالمغرب وتطور الممارسة البرلمانية في العالم".

وتتناول الندوة التي يشارك فيها خبراء مغاربة واجانب محورين رئيسيين، الأول يبحث حصيلة 50 سنة من العمل البرلماني بالمغرب على ضوء تطورات الممارسة البرلمانية على الصعيد الدولي، فيما الثاني يسلط الضوء على شروط تطوير العمل البرلماني على ضوء التجارب البرلمانية مع استحضار المرجعيات والدراسات التي أعدتها مختلف المنظمات البرلمانية.

وبهذه المناسبة وجه العاهل المغربي الملك محمد السادس رسالة إلى المشاركين في الندوة الدولية ذكر فيها بخيار المملكة بإحداث مؤسسات ديمقراطية قائمة على مبدأ الفصل بين السلطات، في إطار ملكية دستورية.

وقال ان هذا الخيار "مكن المغرب من الانخراط في نظام تمثيلي يقوم على التعددية السياسية والوصول، عبر إصلاحات متتالية، إلى نظام برلماني، تتوازن فيه المؤسسات".

واثنى العاهل المغربي على اهمية الوقوف على انجازات خمسين سنة من العمل البرلماني معتبرا ان هذا الحدث يعد بناء تاريخي يعبر عن التطور السياسي للدولة والشعب المغربيين بصفة عامة، وعن تطور الطبقة السياسية المغربية بصفة خاصة.

واضاف انه "بفضل ما شهدته هذه المؤسسة الدستورية من تراكمات إيجابية، على مدى أزيد من نصف قرن من الزمن، فقد تمكنت بلادنا من ترسيخ أسس الديمقراطية التمثيلية وفتح الباب لقاعدة التمييز بين السلط في الهندسة الدستورية المغربية".

واكد ان البرلمان استطاع خلال مسيرته في نصف قرن ان يكون فضاء لتكوين النخب السياسية الوطنية وإطارا للنقاش وتبادل الآراء واختلافها، سواء مع الحكومة أو بين الأغلبية والمعارضة.

وتبوأ البرلمان المغربي مكانة متميزة في البناء المؤسسي المغربي، حيث أصبح بالفعل، سلطة تشريعية قائمة بذاتها، مساهما في إرساء الفصل بين السلطات، في إطار التوازن بين المؤسسات الذي يعد ضمانه مهمة من مهام الملك.

وفي هذه المناسبة اثنى الملك على انفتاح البرلمان على مشاركة المرأة المغربية في الحياة السياسية، وفي تدبير الشأن العام، من خلال ضمان تمثيلية أكبر لصالحها وتعزيز حضورها النوعي الوازن، سواء بالمؤسسة التشريعية، أو بمختلف المجالس المنتخبة، وذلك تجسيدا لحرصنا على مواصلة إسهامها الفعال في جميع مناحي الحياة الوطنية، ولاسيما في المجال السياسي.

واعتبر الملك ان المخطط الرامي الى تطوير عمل مجلس النواب "خطوة واعدة في هذا الاتجاه، وفكرة صالحة للبرلمان ككل. كما يشكل مرحلة مهمة داخل التجربة الطويلة لهذه المؤسسة، بما ينطوي عليه من تحفيز لأعضائها وجميع مكوناتها، في اتجاه المزيد من المبادرة والابتكار".

وذكر بان الشرط الأساسي لتحديث المؤسسة البرلمانية "يكمن في الإرادة السياسية للفاعلين فيها، مقرونة بتحمل الأمانة العظمى لصفة التمثيلية، بما تفرضه من واجبات قائمة على الوفاء لثوابت الأمة، ومن حرص على خدمة الصالح العام".

وقال ان "الهندسة العامة للدستور المغربي توفر مجموعة من الوسائل والمرجعيات في مجال التعاون بين السلط، تجعل أي إشكال في التفعيل قابلا للتجاوز".

وذكر بان الدستور جعل هذه الولاية التشريعية ولاية تأسيسية بامتياز لاعتبارين، اولهما ان البرلمان اصبح المصدر الوحيد للتشريع، "كما تم توسيع مجال القانون، عن طريق التوضيح المفصل لمواده ودخول مضامين جديدة في هذا المجال، إضافة إلى تمكين المشرع من إتمام الدستور بسن مجموعة من القوانين التنظيمية، علاوة على القوانين المتعلقة بمختلف المؤسسات المنصوص عليها في الدستور، مما يتيح تجديد التشريعات الوطني".

اما الاعتبار الثاني فيكمن في مجال تقييم السياسات العمومية، حيث أقر الدستور لأول مرة، هذه المهام لصالح البرلمان. وهو ما يجعل المؤسسة البرلمانية مدعوة إلى إدماج هذه الوظيفة الجديدة في مختلف الصلاحيات التي تتوفر عليها وإلى تفعيلها عن طريق الآليات الموضوعة دستوريا رهن إشارتها.

ونوه الملك "بالمجهود المبذول من طرف أعضاء مجلسي البرلمان في مجال المبادرة التشريعية، سواء بالنسبة للقوانين التنظيمية أو العادية. وهي المبادرة التي يقرها الدستور لصالحهم".

واضاف ان "الحديث عن البرنامج التشريعي يحيل على واجب دستوري وسياسي. ذلك أنه يتعين، بعد انصرام سنتين من الولاية التشريعية الحالية، الخروج من هذه الفترة الدستورية الانتقالية".

ودعا إلى الإسراع بإخراج القوانين التنظيمية، مع مراعاة الأسبقية فيما بينها، مذكرا "بالقوانين التنظيمية المتعلقة بالسلطة القضائية، وبتلك المتصلة بالحكامة الترابية، كمرحلة إعدادية لانبثاق نموذجنا في الجهوية المتقدمة، مما يتيح، في الحالة الأولى، تنصيب المجلس الأعلى للسلطة القضائية، وفي الحالة الثانية، من انتخاب مجلس المستشارين في صيغته الدستورية الجديدة".

وذكر الملك بإعطاء أهمية خاصة لإعداد وإقرار التشريعات المتعلقة بالمؤسسات المنصوص عليها في الدستور، سواء الجديدة منها أو تلك التي تقتضي تحيين نصوصها القانونية، ولاسيما منها هيئات حماية حقوق الإنسان والنهوض بها، والحكامة الجيدة، والتنمية البشرية والمستدامة، والديمقراطية التشاركية".

وقال ان "الهدف المنشود، ليس فقط هو الخروج من دائرة الانتقال الدستوري، ولكن أيضا الوصول إلى استعمال كل الامكانيات التي يتيحها القانون الأسمى، في إطار ممارسة سياسية ومؤسسية طبيعية".

وسيتناول المشاركون بالدراسة والنقاش العديد من المواضيع منها شروط تطوير العمل البرلماني، على ضوء التجارب البرلمانية، مع استحضار المرجعيات والدراسات التي أعدتها مختلف المنظمات البرلمانية.

وسيتم خلال هذه الندوة تقديم شهادات للرؤساء السابقين لمجلسي البرلمان السادة أحمد عصمان ومحمد جلال السعيد وعبد الواحد الراضي والمعطي بن قدور ومصطفى المنصوري.

كما سيتم التطرق لعدد من المواضيع من ضمنها "البرلمان على ضوء الدستور الجديد لسنة 2011" و"التجربة البرلمانية الأولى 1963-1965: المآل والدروس المستقاة" و"مقاربة سوسيولوجية لـ 50 سنة من التشريع" و"تطور بنية ووظيفة البرلمان المغربي" و"الدلالات الدستورية والسياسية للتجربة البرلمانية المغربية"، وذلك في نطاق اثراء التجربة البرلمانية المغربية من خلال مداخلات الخبراء المختصين من عديد الدول.