مخاضات دموية كبرى تهيئ ولادة فرع القاعدة في تونس

أكثر من مئة خلية قاعدية نائمة في تونس

تونس - كشف المركز التونسي لسياسات الأمن الشامل أن تنظيم القاعدة "يخطط لضربات كبرى في تونس" تستهدف مؤسسات حكومية ومقرات بعثات دبلوماسية ومراكز تجارية ومنشآت سياحية، مؤكدا على أن عناصر التنظيم يتلقون حاليا تدريبات في معسكرات ليبية من أجل "تنفيذ سلسلة من الهجمات والعمليات الممنهجة والموجعة للبلاد".

ودعا المركز الذي يشرف عليه خبراء مختصون في الدراسات الأمنية والاستشراف السياسي والأمني إلى أن يكونوا حذرين خلال الفترة القادمة باعتبار أن المعطيات التي توصل إليها "خطيرة" لأنها تؤكد أن القاعدة بصدد "التنظيم والتدريب" على شتى أنواع الأسلحة في معسكرات ليبية من أجل العودة إلى تونس و"القيام بضربة كبرى".

وشدد المركز على أن الهجمات التي قام بها تنظيم أنصار الشريعة خلال الأشهر الماضية سواء في جبل الشعانبي أو في عدد من الجهات "ليست سوى بالون اختبار لمدى جاهزية قوات الأمن والجيش" و"نوعا من التمويه" على مخطط كبير ستقوم به "الخلية الأساسية للقاعدة" التي تنشط اليوم بـ"أكثر راحة وحرية".

وتضم الخلية الأساسية لتنظيم القاعدة في تونس ما بين 80 و100 مقاتل تلقوا تدريبات عسكرية خاصة في أفغانستان والعراق ومالي وليبيا ويعتبرون من أشرس عناصر التنظيم الذي أسسه أسامة بن لادن في بداية الثمانينات من القرن الماضي.

ويشرف على الخلية زعيم تنظيم الشريعة سيف الله بن حسين الملقب بـ"أبو عياض" المتواجد حاليا في مدينة درنة الليبية التي تعد "إمارة إسلامية" مستقلة سياسيا وأمنيا وقضائيا ويشارك في تسيير شؤونها تونسيون إلى جانب الموالين للقاعدة من الليبيين.

ويوصف أبو عياض بأنه من أخطر عناصر تنظيم القاعدة في تونس حيث جاهر بولائه للتنظيم سواء من حيث العقيدة أو المنهج وكان يردد باستمرار أن "القاعدة هم أهل حق ووجبت على كل مسلم نصرتهم".

وشارك أبوعياض في حرب أفغانستان حيث التقى في قندهار أسامة بن لادن كما شارك في حرب العراق ضد القوات الأميركية قبل أن يعود إلى تونس ويؤسس تنظيم الشريعة المتشدد إثر سقوط نظام الرئيس زين العابدين بن علي في يناير/كانون الثاني 2011 .

رؤوس وعناقيد

وتؤكد الأجهزة الأمنية وكذلك الخبراء في سياسات الأمن الشامل أنه بالإضافة إلى الخلية الأساسية التي تتحرك عناصرها بحرية نتيجة حالة الانفلات الأمني توجد في تونس ما بين 100 و120 خلية نائمة تابعة لتنظيم القاعدة ومنظمة بشكل عنقودي بطريقة تجعلها في مأمن من التعرف عليها بالكامل.

وتتحرك الخلية الأساسية بمعزل عن الخلايا النائمة ولا تربطها بها أية صلة بهدف تأمين "نشاطها" من أي ضربة أمنية وهي بعيدة كل البعد عن "الرؤوس" المعروفة في تيار أنصار الشريعة.

وتمثل الخلية تهديدا حقيقيا وخطرا جديا لأنها تضم مقاتلين شرسين من جنسيات مختلفة جزائرية وليبية وموريتانية ومالية ونيجيرية إضافة إلى المقاتلين التونسيين.

مواجهات الشعانبي \'بالون اختبار\'

أما الخلايا النائمة فقد تم تكوينها خلال العامين الماضيين في الأحياء الشعبية وفي عدد من الجهات المحرومة لتستقطب شبابا وحتى أطفالا من أبناء الفئات المهمشة وتضم كل خلية ما بين 3 و5 عناصر يشرف على أغلبها "قاعديون" عائدون.

وكانت الأجهزة الأمنية رصدت عودة ما بين 700 و900 عنصر من مقاتلي القاعدة إلى البلاد خلال العامين الماضيين غير أن هشاشة الوضع الأمني سمحت لهم بهامش كبير من حرية التنقل داخل البلاد وخارجها الأمر الذي يجعل حصر عددهم صعبا.

ويتخذ مقاتلو القاعدة من "إمارة درنة" الليبية قاعدة للتدريب العسكري والتخطيط للقيام بسلسة من العمليات تستهدف بلدان شمال إفريقيا ومن ضمنها تونس التي باتت هدفا لهم خاصة بعد الاشتباكات التي وقعت خلال الأشهر الماضية بين قوات الأمن والجيش وأنصار الشريعة وأسفرت عن سقوط ضحايا من الطرفين.

وقادت الاشتباكات السلطات التونسية إلى تصنيف أنصار الشريعة كتنظيم إرهابي في وقت أعلنت فيه وزارة الداخلية أن التنظيم المتشدد على علاقة بتنظيم القاعدة وهو الأمر الذي كانت تنفيه باستمرار.

وفي 28 أغسطس/اب الماضي كشف وزير الداخلية لطفي بن جدو عن "تورط تنظيم أنصار الشريعة في إدخال الأسلحة للبلاد وتفجير العبوات الناسفة والاغتيالات السياسية ومحاولة الانقضاض على السلطة بالقوة، وهو ما يترتب عليه حظر أي نشاط له وتجريم الانتماء له وتمويله".

وأعلن رئيس الحكومة علي العريض آنذاك عن قرار الحكومة بتصنيف جماعة أنصار الشريعة ضمن التنظيمات والجماعات الإرهابية، على خلفية "تورطها في أعمال إرهابية واغتيالات سياسية في البلاد بناء على معلومات أمنية وقرائن ودلائل".

وأكد بن جدو "إن أنصار الشريعة على علاقة بجماعة عقبة بن نافع المتمركزة في جبال الشعانبي بمحافظة القصرين، على الحدود الجزائرية منذ ديسمبر/كانون الأول 2012 كما لها علاقات مع تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي" مشيراً إلى أن "زعيم التنظيم أبوعياض قد بايع في وقت سابق زعيم القاعدة في بلاد المغرب أبومصعب عبد الودود".

وحملت الداخلية التونسية تنظيم أنصار الشريعة اغتيال المناضل اليساري شكري بلعيد في 6 فبراير/شباط الماضي وكذلك اغتيال المعارض القومي محمد البراهمي في 25 يوليو/تموز الماضي، مؤكدة أن التنظيم المرتبط بالقاعدة "يخطط لزعزعة الاستقرار ومحاولة قلب النظام، من خلال مداهمة المراكز الأمنية واستغلال الفوضى للانقضاض على السلطة وتكوين إمارة إسلامية بتونس".

قائمة اغتيالات

كشف المدير العام للأمن العمومي مصطفى بن عمر عن "قائمة اغتيالات تشمل شخصيات سياسية وإعلامية أعدها التنظيم الإسلامي المتشدد".

وفي 17 نيسان الماضي كشفت الأجهزة الأمنية التونسية أنها توصلت إلى "معلومات دقيقة" تؤكد أن "تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي يعتزم الإعلان عن تواجده بتونس بصفة رسمية وانه سيقوم بعدد من العمليات النوعية وبالأساس تفجيرية في تونس".

وجاءت هذه المعلومات بعد رسالة وجهها أيمن الظواهري إلى "إخوانه في تونس" وناشد فيها "كل مسلم في تونس حريص على إسلامها وعلى حريتها واستقلالها" أن يتحدوا مع إخوانهم المسلمين لمواجهة "أعداء الإسلام والسعي إلى توحيد الكلمة تحت كلمة التوحيد وليس تحت راية أعداء التوحيد".

وبدت رسالة الظواهري موجهة لعناصر القاعدة قبل أي جهة أخرى حيث شدد فيها على أن "تونس تحولت إلى أرض جهاد" ومن ثم فعلى "القاعديين نصرة إخوانهم ضد الطاغوت".

التسيير العام ضد الطاغوت

من جهته، كشف الشيخ فريد الباجي أحد مؤسسي المركز التونسي لسياسات الأمن الشامل أن السلفيين الجهاديين في تونس باتوا يصنفون قوات الأمن والجيش ضمن ما يسمونه بـ"الطاغوت" وأنهم بانتظار أوامر يطلقون عليها اسم "التسيير العام" أي ما معناه باللغة الفقهية عندهم "الهجوم الشامل" للقيام بـ"ضربة كبرى".

ويرى الخبير في سياسات الأمن الشامل مازن الشريف أن "تونس باتت هدفا محققا لتنظيم القاعدة لا فقط نتيجة الأوضاع الأمنية الهشة في المنطقة وإنما أيضا نتيجة غياب إرادة سياسية واضحة في معالجة ملف الإرهاب بصفة عامة وهو الأمر الذي جعل الجماعات الإسلامية المسلحة تتحرك بحرية في تونس بل وتخطط للقيام بعمليات من أجل إقامة إمارة إسلامية وإن كان ذلك على مدى سنوات".

ويعتبر الشريف أن "الضربة الكبرى للقاعدة" آتية لا محالة وأن المسألة هي مسألة وقت طالما لم تبادر الحكومة بوضع خطة أمنية إستراتيجية تأخذ بعين الاعتبار عنصرين أساسين، أولهما هشاشة الوضع الأمني وما تستدعيه من دعم مادي ولوجستي لأجهزة الأمن والجيش، وثانيهما التقلبات الأمنية في المنطقة وخاصة الوضع في ليبيا الذي ألقى بظلاله على الوضع في تونس وهو ما يستوجب تأمين رقابة أمنية على الحدود.

وبرأي الأمنيين فإن تونس "تبدو مستعصية على تنظيم القاعدة" حيث حافظت على حد مقبول من الاستقرار نتيجة أداء مؤسسات دولة قوية لذلك فإن "القاعدة تدرب مقاتليها وتخطط لإخضاعها" من خلال تهيئة أرضية ملائمة.

غير أن الباحثين في السياسات الأمنية يشددون على أن الجيل الجديد من مقاتلي القاعدة "ليس في حاجة إلى أرضية أمنية واجتماعية" للقيام بعمليات أو هجمات ذلك أن "الخلايا المنظمة بطريقة عنقودية قادرة على اختراق أي وضع ولا تحتاج إلى أرضية شبيهة بأفغانستان أو العراق أو مالي أو حتى سوريا، يكفي أن تجد ثغرات أمنية، وهي موجودة لتنفيذ مخططها أو على الأقل جزء منه" على حد تعبير مازن الشريف.

وعلى الرغم من التحذيرات المتكررة للقيادة العليا للقوات الأميركية في إفريقيا (أفريكوم) من أن "تنظيم القاعدة يسعى إلى موطئ قدم له في تونس" وأنها على "اقتناع بأن تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي يسعى إلى التواجد داخل التراب التونسي وأن البلاد تتعرض إلى تهديد حقيقي من التنظيم الراغب في إحداث خلايا إرهابية تمثله في تونس، فإن المسؤولين التونسيين لم يتعاملوا مع ملف القاعدة بالحزم المطلوب بل أبدوا تسامحا مريبا مع ذراعه أنصار الشريعة.

أمن جمهوري

تشدد نقابة الأمن الوطني على أن الأخطر من التسامح الذي أبدته حكومة الإسلاميين هو ما تتعرض له الأجهزة الأمنية من عملية تسييس نتيجة عزل قيادات ذات خبرة وإجراء تعيينات لأشخاص على أساس الولاء الحزبي والسياسي وليس على أساس الكفاءة.

ويقول الأمنيون إنهم قادرون على التصدي لتهديدات القاعدة وإفشال مخططاتها شرط أن تتوفر الإرادة السياسية ودعم الأجهزة الأمنية ماديا ولوجستيا وإطلاق يدها والنأي بها عن التجاذبات السياسية التي أنهكتها.

وتطالب نقابة الأمن بـ"أمن جمهوري" ينتصر للدولة ومؤسساتها ويحمي مكاسب التونسيين بقطع النظر عن انتماءاتهم الحزبية والسياسية في مؤشر على رفضها لسعي حكومة النهضة إلى وضع يدها على الأجهزة الأمنية.

وخلال الأشهر الماضية قادت نقابة الأمن ما يشبه "الانتفاضة" ضد حكومة النهضة وطالبت بوضع خطة إستراتيجية لمكافحة الإرهاب.

وتقول مصادر أمنية وسياسية إن حكومة النهضة زرعت عناصر سلفية جهادية في العديد من مؤسسات الدولة بما فيها المؤسسات الحساسة على الرغم من تحذيرات الأجهزة الأمنية من خطورة هكذا اختراق باعتبار أن الجهاديين يجاهرون بولائهم لتنظيم القاعدة ولا يترددون في مساعدته على تنفيذ مخططاته للقيام بهجمات داخل البلاد.