هل كان العريان عميلاً للأميركان؟

عادة يخفي أي منا حقيقة أن محتالا خدعه، ولكن ما أن يسقط ذلك المحتال في قبضة العدالة حتى يظهر ضحاياه في الصورة محتفلين ومؤكدين أنهم لم ينخدعوا (تماما) فيه لا بل وفهموه من أول وهلة، وأنهم – كذلك – كانوا يتربصون به الدوائر ليقفشوه قفش عزيز مقتدر ليلقى جزاءه المستحق. يعني كل منا يتظاهر بأنه نمس أريب ينام كالثعبان بعين مغمضة والأخرى مفتحة، ويكمن في حلكة مظلمة متحينا فرصة الانقضاض على من حاول تلبيسه العمة، وإنشاب المخالب في لحمه والأسنان، ووضع الأصفاد في معصميه.

والحقيقة أنني لن أفعل ذلك مع عصام العريان القيادي الإخواني بعد إلقاء القبض عليه، ولن أنفي أنني أمضيت سنوات مخدوعا فيه ومصدقا أنه واحد من الإصلاحيين في هيكل تنظيم الإخوان، وأنه الأكثر ميلا إلى فكر ليبرالي عصري، حتى أنني اعتبرته استثناء وسط رهط الإخوان الذين أكرههم وأعرف – جيدا – دخائلهم وتمكن عقيدة العنف والإرهاب وانعدام الوطنية في نفوسهم المريضة التي تبغض المصريين وتحقد على مصر بذات القدر.

ولكننا راقبنا مشاركة ذلك "الليبرالي" في مؤامرة يناير 2011 لضرب الدولة المصرية وتفكيكها بأوامر أميركية وتحت رعاية 13 جهاز مخابرات إقليميا ودوليا، والتحالف مع كتائب العملاء والجواسيس الممولين، من الخارج والمدربين على تفكيك النظم في معاهد أنشأها جورج سورس ووكالات مجمع المخابرات الأميركي الفيدرالية الاثنتين والأربعين.

ثم أمضينا عاما من حكم أوليجاركية الإخوان (نخبة الجماعة الحاكمة) وبإدارة كاملة من التنظيم الدولي وأذرعه وأفرعه بكل الأهوال التي شاهدناها فيه من افتضاح مخططات منح جزء من أرض مصر لرعاع وحثالة حماس لتكون ظهيرا لغزة مقابل تأمين إسرائيل، ومناداة عصام العريان بعودة اليهود إلى أملاكهم في مصر، والعمل – بنشاط – على تنفيذ الفكرة الساقطة لتقسيم مصر. ثم تتبعنا ذلك "الليبرالي" حين شارك في منجز نظام مرسي بإطلاق الإرهابيين والاحتفال بهم وقتل المتظاهرين تحت أسوار الاتحادية وتعذيب الناس في الاتحادية ورابعة وتحريض مجرمي الإخوان على القتل وترويع الناس عبر الرسائل الشيطانية في قناة الجزيرة.. فعل كل ذلك بقدر هائل من الاستعلاء وعقد ومركبات النقص.

نعم.. صدمني عصام العريان في بداية انكشافه، ثم أدركت أن تلك هي صورته الحقيقية، وأنني – مع آخرين – كنا ضحية خدعة حقيرة قدم فيها ذلك الشخص نفسه إلينا بما يغاير كنهه الأصلي الأسود الكريه.. أعترف بذلك ولن أنكر أن هذا المحتال خدعني وسوف أمضي في احتفال صاخب بالقبض عليه لا أتظاهر بأنني كنت أعرف حقيقته وسوف أنتقم من مخاتلته وخديعته واثأر لفطنتي وذكائي.

سأنضم إلى كل المصريين الذين ابتهجوا بالقبض على ذلك المجرم فيما يشبه موكب "سيدي العريان" في فيلم "أمير الظلام" الذي خرج فيه العميان بالدفوف والخيل والأعلام يزفون عادل إمام إلى بيت المكفوفين الذي يقطن فيه.. نعم، كنا كالعميان حين ظننا أن شخصا واحدا في جماعة الإخوان الإرهابية يمكن أن يكون مختلفا عما يوصي به نهجها الإجرامي، ونزوعها الإرهابي التسلطي الاستبدادي، وكانت ليلة القبض على عصام العريان في الأربعاء 29 أكتوبر نهاية طريق طويل اكتشفنا خلاله حقيقة المجرم خلال حكم إرهابي الإخوان.

عميل

اليوم الختامي المنتظر لواحد من أكبر عملاء الولايات المتحدة في القاهرة، والذي أخذنا جميعا – حين ألقي القبض عليه – نتذكر مواقف شاهدناه فيها خلال سنوات مجتمعا مع بعض جواسيس أميركا في مصر، وخصوصا الأكاديميين والحزبيين والسياسيين.. اليوم، انكشف الغطاء وودعنا الخديعة وعانقنا الفرح في الفجر عند القبض على المجرم، حتى حضرتني أغنية المطرب "لعلع" في فيلم "الأستاذة فاطمة": "هنونا وغنوا معانا لحد الفجر ما يدن.. الفرح الليلة أهو جانا بدرجة جيد جدا".

وأظن أن لحظات من التأمل باتت واجبة حول الجوانب السيكولوجية (النفسية) في مشاهد عمليات القبض على مجرمي الإخوان، فهم اتفقوا على أن يبتسموا في مواجهة الكاميرات ويرفعوا أصابعهم بإشارة رابعة السخيفة، وبما يثير نقاطا عدة أولها تمكن تلك الرغبة الصفراوية في المكايدة والإغاظة من نفوس أعضاء ذلك التنظيم الإرهابي مما يثبت خللا حقيقيا في تركيبهم المزاجي والشعوري ورغبتهم المتصلة في حرق دم الناس كأحد تجليات كراهيتهم لهم.. وثانيا فإنني لاحظت التناقض الشديد بين الفرحة الرذيلة التي يضعون قناعها على وجوههم، وحقيقة مشاعرهم الدفينة المفعمة بالغيظ والإحباط والشعور بالهزيمة؛ ففي فيديو القبض على العريان كان يبتسم متباهيا بثقل ظله بينما في خلفية المشهد صوت نحيب لامرأة ربما من أقاربه أو معارفه. يعني هو يتظاهر بشئ فيما حقيقة شعوره واهل بيته شيء آخر.. وثالثاً فإننا إذا بلغنا حديث "التناقض" فإن المشهد كله يشي بدرجة عالية جدا من ذلك التناقض؛ العريان ورفاقه من قبله يواجهوننا بابتساماتهم البائخة في محاولة لادعاء الشجاعة فيما هم – أصلا – متهمون هاربون، فكيف تستقيم المزاوجة أو المرافقة بين الهروب والشجاعة؟!.. ورابعاً فإن الابتسامات وحركة الأصابع هي لون من التعبير عن أشواق مجرمي الإخوان لمحمد مرسي الذي اشتهر بالتصديخ والضحك وقت ادعائه خفة الدم الكاذبة، ثم هو – كما تعرفون – ملك تلعيب الأصابع، ومن ثم فإن إشارة رابعة المقرفة هي حركة أصابعية أخرى تعبر عن لوعة الإخوان وافتقادهم لمرسي وأصابعه التي لا تتوقف عن اللعب.. وأخيرا فإن الابتسامة الصفراوية ورفع الإشارة الرباعية عند القبض عليهم وجرجرتهم إلى البوكس هي – في حقيقة أمرها – لون من توحيد الأداء مثل راقصي فرقة الفنون الشعبية؛ فالجميع يرتدون الجلابيب، والجميع يضعون الطواقي، والجميع يبتسمون ابتسامات سمجة، والجميع يرفعون الأصابع في إشارة رابعة البائخة فارغة المعنى والمغزى..

إلي ذلك فإنني أعتبر مسلك قيادات الإخوان حين تطبق عليهم قوات الأمن (مثلما يفعل بوليس الآداب في الشقق المفروشة) هو نوع من التمثيل الرديء جدا، إذ صرنا نعرف الإخوان بأنهم فاشلون، وطبيعي أن يمتد ذلك الفشل إلى محاولاتهم التمثيل حتى لو امتلأوا رغبة في إجادة ذلك الفن؛ فالرغبة شيء والقدرة والموهبة شيء آخر.

ولقد رأينا أحمد أبو بركة وسعد الحسيني يتنططان غيظا كحبات الفشار التي يلسعها سطح المقلاة اللاهب، أمام وفد حقوق الإنسان الذي زارهما في طرة، بعد ما كانا يبتسمان ويضحكان ويرفعان الأصابع الأربعة عند القبض عليهما.. وقت التمثيل انتهى حين الإلقاء بالمجرمين إلى ركن بارد في زنزانة مظلمة جزاء وفاقا لما ارتكبوه في حق الوطن والشعب.

عصابة

لقد كانت ليلة القبض على العريان مفعمة بالحقائق ذات الدلائل، وأحدها أن عصام العريان هو نائب رئيس حزب الحرية والعدالة أحد أذرع وأوعية جماعة الإخوان الإرهابية وبما يعني أن اثنين من القيادات العليا لذلك الحزب (الكتاتني والعريان) كانا مطلوبين للعدالة. فأي حزب ذلك الذي تتورط قياداته في أعمال مخالفة القانون بشكل يدفع النيابة العمومية إلى طلب ضبط وإحضار رئيس الحزب ثم نائبه؟!

نحن أمام حزب أثبت – ومنذ لحظة قيامه وإطلاقه – أنه أقرب إلى التشكيل العصابي في الأرياف الذي يعمد إلى سم البهائم وتقليع القطن والكمون في حقول الذرة لاغتيال الخصوم ساعة المغارب وفي جنح غبشة المساء.

وحتى العقيدة السياسية لذلك التنظيم كانت مخالفة للقانون وللأعراف السائدة بين الغالبية الغالبة من المصريين، وأعني بها كونه حزبا قام على أساس ديني وضم ثالوثا عجيبا هو "الجماعة" و"الجمعية" و"الحزب" وهو ما يتم تفكيكه (قانونيا) في اللحظة الراهنة.. يعني كنا إزاء حزب الحرية والعدالة بصدد تنظيم خارج على القانون، وليس غريبا أن تتحول مقاره إلى مخازن سلاح ومتاريس يتمترس فيها أعضاء الحزب لإطلاق النار والخرطوش والمولوتوف على المتظاهرين السلميين ورجال الشرطة والجيش فضلا عن خطف الخصوم وتعذيبهم.

أما آخر ما رسب في ذهني عبر تأمل وقائع ليلة القبض على العريان فهو كونه – كما ثبت لكل نصف مراقب – حلقة الوصل بين الجماعة والسفارة الأميركية وبالذات في عصر التآمر المكشوف من آن باترسون.. وعلى كون الجاسوس محمد مرسي هو رئيس الجمهورية الوحيد في تاريخ مصر الذي قام بأعمال التخابر حتى أطلقنا عليه "مرسي بوند" فإن كبار العاملين معه هم – بالضرورة وبالطبيعة – أعضاء شبكته التي يمارس بها عمله كجاسوس، حتى وإن لم يتورطوا في أعمال جاسوسية مباشرة. أما صلة العريان الوثيقة اللصيقة مع الأميركان فقد تشعبت وتمددت من زيارات متوالية لواشنطن في العشرين عاما الأخيرة، أو لقاءات مع مسئولين سياسيين ومخابراتيين أميركان في عدد معتبر من عواصم العالم، وفي جميع الأحوال كان نتاج تلك العلاقة يصب في صالح إسرائيل وأمن إسرائيل وعودة أملاك اليهود في مصر.

ولذلك.. لذلك لم نفرح في ليلة القبض على عصام العريان لأننا اكتشفنا خديعته وحقيقته، وإنما لأن أدواره الساقطة انتهت وراح زمانها ومضي وانقضي،

"وهنونا وغنوا معانا لحد الفجر ما يدن.. الفرح الليلة أهو جانا بدرجة جيد جدا"!