انكحوا ما لذّ وطاب من هذا البلد، قبل أن تغادروها خرابا..

كنت أفتش بين تدويناتي القديمة على الانترنت وما كتبته أيام انتفاضة الرش بسليانة (سنحتفل بمرور سنتها الأولى قريبا)، فوجدت أن أكثر ما سجلته كانت حروف صرخة الماغوط: سأمحو ركبتي بالممحاة، سآكلها حتى لا أجثو لزمان أو تيار أو مرحلة، ثم أنا الذي لم أركع أمام جدار في الابتدائية بسبب جدول الضرب وأنا على خطأ، هل أركع أمام المجرم وأنا على حق؟

هكذا رأيت أبناء موطني فاعلين لم يقرأوا كتاب "سأخون وطني" ليتعلموا اللغة ولكن علموا العالم ما كانوا عنه بغافلين، سليانة بلد النضال والمناضلين من برقو وجبلها الشامخ قاهر شارل ديغول وأعوانه إلى مكثر بلاد الرجالة.

صب المجرمون الرش على إخوتي وأبناء عمومتي وخلاني في أبشع جريمة وأتفه أسباب.

لقد لقن السلاينية درسا لا ينسى لكل من حاول تزييف الحقيقة واتهامهم بكون قوى الثورة المضادة وأزلام التجمع تحركهم، وبرهنوا من خلال هجرتهم الرمزية على أنه ما من حزب أو تيار يستطيع تحريكهم أو شرائهم. فهم شبوا على الحرية والكرامة وطالبو بعزل الوالي وبحقهم في التنمية العادلة.

هي أفقر الولايات وأكثرها بؤسا فيحسب "الشيخ" أنها ستكون بلاد الهتاف والتصفيق وأنها ستكون سندهم وفي الصفوف الأولى "لشكوطوميتهم" المليونية فغاب عنه أن هؤلاء نفسهم الذين رفعوا شعار الديقاج العظيم في وجه بن علي وعصابته سنة 1990..هؤلاء الذين لم يلقوا من نظام بورقيبة وبن علي غير التهميش ولعمري فإن العالم بأسره قد أُبهر بالهجرة الرمزية الجماعية التي نفذها أحرار سليانة وعدم جنوحهم للتخريب والتكسير... إسقاطا لمحاولة فاشلة لتزييف الحقائق وإظهار السكان والأهالي في ثوب المخربين لولايتهم ولكن الأحرار تفطنوا لذلك وقاموا بحراسة ممتلكاتهم وممتلكات الدولة في شكل لجان أحياء.

لقد أثبتت جريمة الرش أن مشروع النهضة المزعوم لم يكن سوى خدعة استهلالية، تلاها بعد ذلك أحقاد دفينة ورغبة في الانتقام من الشعب، ولا يستثنى من ذلك إلا الإخوان ومحبيهم، والتنكيل بمعارضيهم واختلاق الشائعات لتشويههم... أقصوا كل مخالفيهم من المشهد السياسي، وتنكروا لمعظم رفقائهم. وضاقت الصدور بسياستهم الفاشية ونزعتهم الشوفينية، إلى درجة أن معظم المواطنين شعروا بأنهم غرباء في وطنهم. ولا نكاد نلمح من بين ما استنه مكتب الغنوشي الحاكم بأمره من قوانين وقرارات تدنو من العهود التي قطعوها على أنفسهم في حملاتهم الإنتخابية، فنسبة الفساد والبطالة والديون الداخلية والخارجية ارتفعت بالقدر الذي لا يمكن إخفاءه أو إنكاره، كما أن مكانة تونس إقليميا ودوليا تراجعت إلى درجة أن الغنوشي وحكومته وعشيرته باتوا محطا للسخرية والتهكم والتفكه والتندر مثل زمن بن علي، فما نعيشه هذه الأيام تنطبق عليه مقولة: سياسة العمى والشيطنة لمن قال لا والعصا لمن عصا...

من يصف نفسه بالتدين والخوف من الله يسيء إلى الدين عندما يُهمل تهذيب طباعه وتقويم عوجه وينكر مكره لشعبه، ثم يحرص على الاستمساك بشعائره ٬ كما يمسك الملوث قطع الصابون بيده، دون أن يذهب بها درئا، فاذا كانت الطباع طباع سوء فلا دين يصلح ولا أدب يفيد...ف هم يشترون الحياة الدنيا وكراسي زائلة بدماء شعبهم.

قد نسكت أنا وغيري من أجل التنمية والتشغيل (ولن نفعل) ولكن لن نتسامح مع من يرعب أهلي ويقمعه، تتبجحون بأنكم وُليتم الأمر بإنتخابات شرعية ولكنكم مشاريع جاهزة لدولة قمعية، بوليسية وديكتاتورية باسم دين مستورد من أميركا وقطر...

تبا لكل من يرى الحق ويدلسه، تبا لمريدي شيخ بدل دينه وابتاع ربّا من غير حق ونشره، تبا لناس لا عقل فيها دواب هي تجري وراء نكبة، إنكم ابن شرعي للثورة عاق لوطنه... ان العقوق اصبحت تعيشه قيادتكم قولا وفعلا....كيف بنا ان لا نصدق ان الصبية تحن الى مغتصبها....اه وكم من اه عندما نستيقظ على رش النهضة لشعبها، من أجل عيون الوالي الفاشل تعمى عيون شباب سليانة ولكن لا يعلمون أن الله من يعمي البصائر... اي جنون واي حمق هذا... والغريب العجيب عندما تكون الكذبة بحجم عقل الفيل... فلن يصدقّها سوى عقل النملة فقط... ولا أعتقد أنّ لي عقل نملة لأصدق أنّ ما يحدث في سليانة مؤامرة "حاكتها أطراف"... قالها جلادكم السابق فسقط...

النهضة التي تتهمّ المعارضة بـ"الانقلاب" تشنّ، عبر سياستها الاقتصادية اللا اجتماعيّة واللاوطنيّة، حربًا حقيقيّة على الشعب الذي أوصلها الى الحكم. وذلك بعد ان سبق لها ان انقلبت على الثورة وأهدافها.

تبشرنا بمجزرة شعبية (ولغم تزرعه للحكومة القادمة) من خلال مشروع ميزانية لسنة 2014. إنها ميزانية التجويع والتفقير ومراكمة البؤس وسلب الإرادة واستقلال القرار الوطني وفي نفس الوقت يصدر العريّض قانون يسمح بالجمع بين وظيفتين! في بلاد تشكو من البطالة! وها هم يمتّعون جماعتهم، المتمتعين بالعفو التشريعيّ العامّ، بالوظائف والرّواتب بالمفعول الرّجعيّ وبالتّعويضات. أقوله وقلبي يعتصر ألما... انكحوا ما لذّ وطاب من هذا البلد. قبل أن تغادروها خرابا..

أه... مشفق على وطن يكذب فيه الصادق ويصدق فيه الكاذب ويتعملق فيه السفيه......آه على تونس من تاجر وطن وتاجر دين..