السيد والسطان ... القواسم الفكرية بين الرجلين

اتفاق على الوحدة الإسلامية ومجابهة الغرب

كان السيد يعالج التعصب العنصري بالنظر الدقيق لمنافاته للإسلام. ثم حاول أن يرى الأسباب الواقعية، التي يتعلل بها بعد تضخيمها دعاة التجزئة لتبرير سلوكهم. يقول: "علمنا وعلم العقلاء أجمعون أن المسلمين لا يعرفون جنسية إلا في دينهم"، وقال مخاطباً المسلمين: "واعتصموا بحبل الرابطة الدينية التي هي أحكم رابطة اجتمع فيها التركي بالعربي، والفارسي بالهندي، والمصري بالمغربي، وقامت لهم مقام الرابطة النسبية".

ويقول: "ترى العربي لا ينفر من سلطة التركي، والفارسي يقبل سيادة العربي، والهندي يذعن لرياسة الأفغاني. ولا اشمئزاز عند أحد ولا انقباض". كأني به يريد أن يقول: إن الرابطة القومية لا تبرز، أو تطغى إلا عن حاجة إليها، والحاجة إليها تطرأ عندما لا يكون العدل صائناً لرابطة العقيدة.

يقول السيد: "أي أصل من أصول العقل يستندون إليه في المناظرة والمباهاة بالتعصب الجنسي فقط! واعتقاده فضيلة من أشرف الفضائل، ويعبرون عنه بمحبة الوطن، وأي قاعدة من قواعد العمران البشري يعتمدون عليها في التهاون بالتعصب الديني المعتدل، وحسبانه نقيصة يجب الترفع عنها؟!".

في محاولة للتوازن بين التبعية للغرب والإفادة منه طبق الشروط الداخلية لتكوين الأمة، يلتقي السيد مع السلطان على إدانة التعامل مع الثقافة والحضارة الغربية، إذا كان ذلك منطلقاً من شعور بالدونية. يقول السيد عن هذا المثال، أنه يعتقد بأن "ما تعلم من الرطانة الأعجمية هي منتهى ما يمكن الوصول إليه من المدركات البشرية، ولقد شاهدت وسمعت من مثل هذه المضحكات المبكيات من عدة أشخاص من زعانف الشرقيين.

يقول عبد الحميد الذي اتهم بمعاداة العلم والعلماء: "لم أخشَ مطلقاً في يوم من الأيام من رجل متعلم، إنما أتجنب هؤلاء الحمقى، الذين يعتبرون أنفسهم علماء بعد قراءتهم بعض الكتب، وهذه الفئة من الوالهين بالغرب، الذين ثقفتهم معامل أوروبا وأزياؤها، ما أردت أن أتوقاه ليس علم أوروبا بل الجهل به". ويركز موقعه منهجياً بهذه الكلمة "أن أقراص السلفات لا تنفع لكل مرض، أو لكل بنية".

فكيف تنهض الأمم إذا انعزلت عن بعضها البعض؟

يردّ عبد الحميد: "ليس من الصواب القول بأني ضد كل تجديد يأتي من أوروبا، ولكن العجلة من الشيطان، ويقابل العجلة الهدوء والاعتدال، يجب أن نضع نصب أعيننا ما تفضّل به الله علينا، ليس الإسلام ضد التقدم لكن الأمور القيمة يجب أن تكون طبيعية، وأن تأتي من الداخل، وحسب الحاجة إليها، ولا يمكن أن يُكتب لها النجاح إذا كانت على شكل تطعيم من الخارج".

وعن غفلة المتغربين عن أهداف الغرب، ووعوده المضللة لهم يقول السيد: "يفعلون ما يأمر به الغربي، ويرجعون من عند الغرب معللين أنفسهم أن الغربيين سيوفون لهم بوعدهم، وينالون تلك الأماني، إذ يتركونهم بعد أسداء نعمة التعليم لهم شعباً حراً مستقلاً بإدارة شؤونه، مختاراً بوضع خزينته، عالماً بإيراده ومصرفه، منتقياً من أبنائه حكاّماً من أنزههم نفساً، وأحسنهم سيرة وسيراً، وأصدعهم بالحق قولاً وفعلاً.

يقول عبد الحميد: "كان جدي السلطان سليم خان يصيح قائلاً: أن أيدي الأجانب تسير متنزهة فوق كبدي، كنت أحسّ أناً أيضاً بأيدي هؤلاء الأجانب ليس فوق كبدي بل في داخله. إنهم يشترون صدوري العظام ووزرائي ويستخدمونهم ضد بلادي". ويورد أمثلة كثيرة على ذلك، نكتفي بواحد منها، يقول: "علمت أن الصدر الأعظم السابق "السرّ عسكر حسين عوني باشا" تسلّم نقوداً من الإنجليز، وابعدت سعيد باشا عن الصدارة العظمى وهو المعروف بتأييده للإنجليز".

أرث أثقل كاهله
نحن هنا بصدد البحث عن الأفكار والأحداث التي جعلت السيد يشدّ رحاله إلى الأستانة، كما جعلت السلطان يفسح له؛ ليقوم بنشاطه من أجل أن تأخذ الأمة أهبتها؛ لمواجهة الواقع المر. وإذا كانت هذه الرؤى المشتركة، والخلاصات الفكرية بين الرجلين.. فكيف تبلورت الأمور أحداثاً ووقائع؟

في أول لقاء، قال له عبد الحميد: "إن ملتمسي من حضرتك أن تبذل غاية الجهد حتى نستطيع بتوحيد آرائنا، ومساعدة حضرتكم، أن ننشىء ونؤسس اتحاداً واتفاقاً قوياً ثابت الأركان، لا يقبل الخلل من الشعوب الإسلامية؛ حتى يمكن بفضل تلك الوحدة أن تمد شعوب الجامعة الإسلامية يد المود والاخاء، بعضهم إلى بعض، وتنهض بالصناعة والعلوم في ظلّ الاستقلال والاتحاد الإسلامي، ولكي يصل إليها التوفيق بعون الله تعالى لاسترجاع تلك القوة العظيمة، ولا تتأخر عن ركب السعادة والرقي".

كان عبد الحميد يريد ذلك، بصرف النظر عن عمق إرادته ومداها المحدود بمجمل الأوضاع المحيطة به، والأرث الذي يثقل كاهله.. كان يريد استكمال مسعاه الوحدوي بعدما حاول على أكثر من مستوى تهيئة أسباب الوحدة، فقد كان مثلاً مشغولاً باتمام خط السكة الحديدية بين دمشق ومكة يقول: "المهم هو اتمام خط سكة الحديد بين دمشق ومكة في أسرع وقت، ففي هذا تقوية للرابطة بين المسلمين، كما فيه أيضاً اتخاذ هذه الرابطة بعد تقويتها، صخرة صلبة تتحطم عليها الخيانات والخدع الإنجليزية".

وعن اتصالاته، حيث كان يطمح بالمسلمين يقول: "وكنت دون أن أثير شكوك الإنجليز أرسل السادة الأشراف، وشيوخ الطرق الصوفية، والدراويش إلى مسلمي آسيا الوسطى. وكنت أعرض عناية خاصة لربط مسلمي آسيا معنوياً بالخلافة (مثلهم مسلمو الهند)".

ألم يكن ذلك كافياً منذ البداية، ليلفت نظر الجميع من أعداء الوحدة، ومن ذوي الأفق الضيق والمطامع، من حاشية السلطان، ليفكروا بالكيد للسيد والدولة والوحدة والسلطان معاً؟ ذلك ما سوف نراه.. والمهم أن السيد الذي قال عنه السلطان نفسه "إنه عالم مشهور في قصر يلدز"، كانت الوحدة همّه الأول ومشروعه الأهم.

مشروع السيد:

مشروعه نهضوي

كان السيد صاحب مشروع عملي ورؤية، وكان ناصر الدين شاه قد لمس فيه ذلك فطلبه إلى إيران ليكون صدراً أعظم. غير أن طموحات السيد كانت أكبر من قدرة الشاه على الاستيعاب، كما كانت أكبر من قدرة السلطان وطموحه. لعل هذا التباعد بين الطموحين هو الشق الذي دلف منه الأعداء وأهل الحسد إلى حريم العلاقة، بين السيد والسلطان، ليفسدوها.

لقد اتضح هذا التباعد عندما قرر السيد أن يقدم للسلطان مشروعاً يمثّل حلمه النهضوي، وكان على درجة من الجرأة والوضوح جعلت السلطان يرتبك. يقول السيد ملخصاً مشروعه بعدما لمس استحالة تحقيق القبول بالحد الأقصى: "فحولت وجهي عن ما لا يمكن إلى ما يمكن، وفيه وقاية ما بقي من السلطنة العثمانية في غير أوروبا، فقلت للسلطان عبد الحميد: أتأذن لي في تقديم لائحة في تصوراتي لتحسين حالة المملكة والتحوط بصونها من مطامع الأعداء؟ قال: لا أريد أن تكتب شيئاً من ذلك؛ إذ لا أحب أن يطّلع أحد على ما يدور بيننا، بل قل لي ما تشاء أن تكتبه بكل حرية وصراحة، فأنا لك من السامعين"، وقدّم السيد مشروعاً يقضي بإعطاء الأطراف مقداراً من الخصوصية والعناية والحرية، دون أن يكون ذلك على حساب المركز مع الحد من هيمنة المركز على الأطراف وإلغائها، وبالتالي إتاحة فرص متكافئة للأطراف تمكّنها من النمو وتؤهلها لدعم المركز.

نستعيد حسرة السيد هنا "نعم ان زمن العمل قد مضى وانقضى"، و"كيف لا تذهب النفس حسرات وأكبر سلطان في المسلمين هذا موقفه من الجمود عن قبول النصح وإصلاح الملك".

لقد أجاب السلطان منسحباً من المجال العام للدولة إلى المجال الخاص قائلاً: "ماذا تركت يا حضرة السيد للسلطان؟ وماذا أبقيت لتخت آل عثمان؟" وأجاب السيد: "يبقى جلالة مولانا السلطان وينضم إلى العرش العثماني عروش عشرة غير عرش مصر، وعندئذ تتكامل المناطق ثروة ورُقياً وعمراناً "وتسرع إيران للاتحاد لصون كيانها عن مطامع الغرب الموجه نحو عموم دول الشرق، ثم ما أسرع الأفغان للانتظام في ذلك السلك! ويرجع الشرق للمسلمين وما ذلك على الله بعزيز".