مصر... في صراع الظواهري والبغدادي

خلافات الدولة الافتراضية

حسم رد أمير تنظيم «دولة العراق الإسلامية»، المكنى أبو بكر البغدادي، على زعيم تنظيم «القاعدة» المركزي أيمن الظواهري الجدل الدائر منذ أبريل الماضي حول وجود صراع بينهما. فلم يمر يوم واحد على بث تسجيل الظواهري (8 نوفمبر الجاري) الذي أمر فيه بإلغاء قرار البغدادي بتوسيع ولاية تنظيمه لتشمل سوريا تحت اسم «دولة العراق والشام الإسلامية»، والذي صار يُعرف بـ«داعش»، حتى رد الأخير متحدياً أن «دولة العراق والشام الإسلامية باقية مادام فينا عرق ينبض أو عين تطرف... ولن نتنازل عنها حتى يظهرها الله أو نهلك دونها».

كانت طريقة اعتراض زعيم «جبهة النصرة لأهل الشام»، أبو محمد الجولاني، على قرار البغدادي في أبريل الماضي دمج العراق والشام بولاية واحدة، ورده الدراماتيكي على ذلك القرار عبر مبايعته الظواهري علناً، قد أثارت جدلاً حول وجود صراع بين زعيم تنظيم «القاعدة» وأمير فرعه في العراق.

غير أن صمت الظواهري، في الوقت الذي هدأت الأمور ظاهرياً بين البغدادي والجولاني، وضع حداً لذلك الجدل في ظل صعوبة التأكد من وجود صراع داخل «القاعدة»، إلى أن أكده التصعيد المتبادل في التسجيلين اللذين بثهما زعيما قيادتها العامة وفرعها العراقي.

ليست لهجة الظواهري الحاسمة في تسجيله هي وحدها التي تكشف أن هذا الصراع يبدو أكثر حدة مما كان ممكناً استنتاجه من ملابسات موقف البغدادي ومبادرته بتوسيع نطاق ولايته. فهذه هي المرة الأولى التي يعلن فيها الظواهري قراراً تنظيمياً داخلياً على الملأ، حيث عين البغدادي «أميراً على دولة العراق الإسلامية فقط لمدة عام على أن يقدم تقريراً إلى قيادة تنظيم القاعدة عن أدائه ليُصار فيما بعد إلى تجديد الإمارة له أو اختيار أمير آخر». كما قرر أن «من يمثل القاعدة في الشام هو جبهة النصرة، وأن الجولاني يبقى أميراً لها لعام من تاريخ هذه التوجيهات».

ولم يكن ممكناً أن يعلن الظواهري قراراً أو «توجيهات» من هذا النوع على الملأ إلا إذا كان راغباً في تأكيد زعامته في مواجهة تحد يتعرض له، الأمر الذي يدل على شعوره بقلق غير مسبوق.

عصيان أمر (أمير المؤمنين) ماذا بقي من البيعة؟

ويصعب تصور أن يكون إصرار البغدادي على ضم سوريا إلى ولايته هو وحده مبعث هذا القلق. فقد تعايش الظواهري لما يقرب من ثمانية أشهر مع أمر واقع فرضه البغدادي. لذلك فالأرجح أن تنامي هذا القلق أخيراً يعود إلى اكتشاف أن طموح البغدادي يتجاوز سوريا إلى مصر موطن الظواهري، وربما يمتد إلى القيادة العامة لتنظيم «القاعدة» أيضاً في وقت لاحق.

يعني ذلك أن لدى الظواهري ما يؤكد تحرك البغدادي سعياً إلى إيجاد موضع قدم له في بلاد أخرى، الأمر الذي يضفي صدقية على معلومات توافرت حديثاً عن سعي الأخير إلى الحصول على بيعة له شخصياً من مؤسس تنظيم «سلفي جهادي» جديد في مصر.

أول ما يلفت الانتباه في هذا التنظيم المسمى «المهاجرون والأنصار»، فضلاً عن حداثته، أنه صغير لا يقارن بالتنظيمات الأكبر والأقدم التي تنتمي إلى فكر «القاعدة» مثل «التوحيد والجهاد» و«أنصار بيت المقدس» و«مجلس شورى المجاهدين في أكناف بيت المقدس» و«جيش الإسلام» وغيرها.

ثمة تفسيران لمحاولة البغدادي الحصول على بيعة من مؤسس ذلك التنظيم، عادل إبراهيم المشهور بـ«حبارة»، والذي أُلقي القبض عليه أخيراً وكشفت التحقيقات معه معلومات تفيد حدوث تلك المحاولة. وأول هذين التفسيرين هو أن تكون التنظيمات الأكبر قد رفضت الاستجابة لطلب البغدادي، إما لأنها تحرص على ارتباطها بقيادة تنظيم «القاعدة» في حالة وجود مثل هذا الارتباط، أو لأنها تفضل أن تعطي البيعة لهذه القيادة ممثلة في الظواهري إذا قررت أن ترتبط بها.

أما التفسير الثاني فهو أن يكون «الجهادي» المصري الذي طلب البيعة للبغدادي قد بدأ بهذا التنظيم لمعرفته السابقة بمؤسسه عادل حبارة ووجود اتصال هاتفي مباشر بينهما، وهو لا يعرف أن مكالماته مع حبارة مرصودة من سلطات الأمن المصرية قبيل إلقاء القبض على الأخير.

ويبدو أن رسول البغدادي هذا، ويُدعى عمرو زكريا ويُكنى «أبو صهيل»، جديد في هذا النوع من المهمات، وأن مقصده هو الحصول على أية بيعة لزعيمه. فقد طلب من حبارة، عبر اتصال هاتفي من سوريا في أواخر أغسطس الماضي، تسجيل فيديو لعناصر تنظيمه وهم يتدربون في سيناء حاملين الأعلام السوداء، على أن يتضمن إعلان مبايعة أمير «دولة العراق والشام الإسلامية» في مقابل عشرة آلاف دولار دعماً مالياً من البغدادي لما أسماه «الجهاد في مصر».

ولم يقدم حبارة في التحقيق معه معلومات عن طالب تسجيل هذا الفيديو وبثه سوى أنه «واحد مصري سافر إلى سوريا للجهاد ونصرة المسلمين»، قائلاً إنه لم يلتق به من قبل، وأن علاقته معه هاتفية، وأن «شخصاً ممن سافروا للجهاد في سوريا» هو الذي أقام العلاقة بينهما. كما أوضح أنه عرف منه أنه يلتقي أمير «دولة العراق والشام الإسلامية»، وأنهم يريدون فتح جبهة لـ«الجهاد في مصر»، وأن البغدادي مستعد لدعم الشباب لهذا الغرض.

فلم يكن بإمكان حبارة إنكار هذه العلاقة مع مندوب البغدادي بعد أن واجهه المحققون بتسجيلات لبعض الاتصالات بينهما، ومنها المكالمة التي طلب فيها «أبو صهيل» منه مبايعة زعيم «دولة العراق والشام». لكنه لم يزد شيئاً تقريباً على ما جاء في هذه التسجيلات، في الوقت الذي سعى بمهارة إلى إنكار ارتباطه بأي عمل جهادي تنظيمي.

وبغض النظر عن أهمية التنظيم الصغير الذي أسسه حبارة في سيناء قبل أشهر قليلة، بعد مغادرته محافظة الشرقية التي اقتصر نشاطه عليها منذ أن هرب من السجن في 29 يناير 2011، فقد كان سعي البغدادي إلى الحصول على بيعة منه دليلاً على أنه يسعى إلى بناء قاعدة نفوذ إقليمي له. وهذا يكفي لإثارة قلق زعيم تنظيم «القاعدة» وإشعال غضبه الذي تجسد في تسجيله الصوتي الذي استهدف تأكيد أن البغدادي ليس أكثر من ممثل لهذا التنظيم في العراق ولمدة عام واحد.

غير أن حدة غضب الظواهري قد تحمل دلالة على معرفته أن تحرك البغدادي إقليمياً لا يقتصر على محاولته هذه التي أمكن رصدها لإيجاد موضع قدم له في مصر. وربما تكون هناك محاولات أخرى جرت أو ستُجرى في مصر، وخاصة بعد ما يبدو أنه تفكك لحق بتنظيم «المهاجرين والأنصار» عقب إلقاء القبض على مؤسسه وبعض أعضائه وفرار الباقين.

وفي كل الأحوال، فالأرجح أن تظهر في الأسابيع والشهور القادمة مؤشرات جديدة على الصراع بين الظواهري والبغدادي، وتأثيره على التنظيمات المرتبطة بـ«القاعدة» سواء كان ارتباطها مباشراً أو غير مباشر.

وحيد عبد المجيد

كاتب مصري