نساء إيران... يطير وحجاب لا يطير!

حجاب تحت السياط لا يدوم

جارتنا سيدة مسيحية اكملت عقدها الخامس، وهي نازحة من كركوك بعد ان اغتال مجهولون "مسلمون طبعا" فردا من عائلتها. ورغم ذلك فهي لا تشعر بأنها في عداوة مع المسلمين، وتنهمر دموعها كلما شاهدت شيعة او سنة يلقون مصارعهم بتطاحننا الغامض في قلب العالم القديم.

بمجرد ان قدمت زوجتي لعائلتها استشارات طبية بسيطة، شعرت السيدة بامتنان الكرماء، فراحت تغدق علينا بأطباق المائدة العراقية التي يتقن أهلنا المسيحيون اعدادها، وبتلك النفس الطيبة الودودة تدعو وهي تقدم لنا الطعام، ان يعم السلام بلادنا، وتسألني ببراءة شديدة ودونما خبرة في لاهوت او فلسفة: ألا تعتقد يا ولدي ان الله أراد وقدّر أن يخلقنا متنوعين، في أدياننا ومذاهبنا وعاداتنا وطريقة حياتنا؟ ألم يكن الرب قادرا على أن يخلقنا جميعا من دين واحد بل وقبيلة واحدة؟ لماذا إذن خلقك في اسرة من ذلك المذهب وخلقني في عائلة من هذا الدين؟

هل أخترنا نحن أدياننا ومذاهبنا ليحاسبنا عليها هذا المسلح وذاك الانتحاري؟ أن اسئلتها لا تنتهي وأنا بلا اجابات، تقول: لماذا نجحت بريطانيا وأميركا وغيرهما، في تأسيس مجتمع يعيش فيه بسلام المسيحي والبوذي، السافرة والمحجبة؟ حتى ان قريبا لها في كاليفورنيا، اخبرها بأن بعض الناس هناك يعبدون "الكائنات الفضائية" ورغم ذلك لم يتعرض لهم احد، وهي تقول: إن الرب "قلبه كبير" سيرحمهم اذا كانوا صالحين محبين للسلام، فكلنا "خلقة الله".

لكن أهل العالم القديم لن يقتنعوا بسهولة، بحكمة جارتنا المسيحية، وآخر دليل على موهبتنا في تفريخ النزاعات والقمع والاخضاع، ما قرأته اليوم في صحف طهران. إذ إن المتشددين هناك افتعلوا نزاعا جديدا مع مؤيدي الرئيس حسن روحاني، وأخذوا بتقسيم الحجاب في إيران الى نوع "يطير" ونوع لا يطير، طبقا لاجراءات الشرطة هناك، وبالتفصيل اللاحق.

إن الرئيس الإيراني المدعوم من التيار الاصلاحي المقموع، يواجه مسؤوليات تتنوع بشكل دراماتيكي، وإذا كان مضطرا لفتح كلتا عينيه على الملف النووي وتفرعاته لاستثمار "مكالمة القرن" مع أوباما، فإنه مطالب بملاحقة كل تفاصيل "القمع" الناعم والخشن الذي يتعرض له الجمهور الاصلاحي في ايران. وقد اطلق في الآونة الأخيرة نداء الى اجهزة الأمن، يرجوهم فيه ان "يحفظوا كرامة الانسات والسيدات" اثناء تطبيق ما يعرف بسياسة "الأمن الأخلاقي" ويجري بموجبها ملاحقة النساء اللواتي يرتدين "حجابا سيئاً".

روحاني في أحد خطاباته قال: إن المشكلة الأساسية التي تواجه النساء وأجهزة الامن هي عدم توفر "مسطرة" تميز الحجاب الجيد عن الحجاب السيئ ودعا الشرطيين والشرطيات إلى التعامل بشكل متسامح مع فتيات وسيدات يرتدين حجابا لا يتفق مع المقاييس الصارمة.

لكن الرد جاء على الرئيس على شكل إجراء تعسفي يوسع دائرة تطبيق "الأمن الاخلاقي" إلى صالات المسافرين في مطارات إيران، ويمنع "باد حجابي" أو "الحجاب السيء" من ركوب الطائرة، كعقوبة مشددة، والمتشددون يقولون ان العقوبات "الأخلاقية" لابد لأن تشدد لأن سنوات طويلة من تطبيقها على الإيرانيات، لم تنجح في اقناع الفتيات باعتماد الحجاب الصارم "المسموح له بالطيران".

احد المعلقين الاصلاحيين كتب على حسابه في تويتر، رجاء الى سلطات الأمن، قال فيه: ليس من أجل معايير التسامح، ولا قواعد العيش المشترك او التحول الديمقراطي، ولكن من اجل ان نتيح لروحاني ان يركز على الملف النووي، ولعله سينجح في تخفيف ولو ١٠٪ من ممكنات الشر في الشرق الأوسط، امهلونا بعض الوقت حاولوا أن تصبروا وتتجاهلوا حكاية الحجاب الذي لا يطير!

مسطرة لتميز الحجاب الجيد عن السيئ
المعلق الايراني لا يسخر، فهو يثير واحدا من اخطر الأسئلة التي تواجه التيار الديني المتشدد في كل مكان.

إذ انه يحتاط في حجاب المرأة ولا يحتاط في ذبح العزّل وإرتكاب اشنع اساليب الاضطهاد. فوق هذا وذاك وطبقا لمعلقنا الإيراني، فإنهم يريدون مشاغلة روحاني عن احلام نزع التوتر.

إن المتشددين أيضا "خلقة الله". أليس كذلك يا جارتي العزيزة؟

سرمد الطائي

كاتب عراقي