العنتلي تؤكد أن القصيدة الوطنية مرسى لموانىء الوطن والشعب

مرجعية مهمة في دراسة ونقد الشعر الوطني

أبوظبي ـ صدر عن أكاديمية الشعر التابعة للجنة إدارة المهرجانات والبرامج الثقافية والتراثية في أبوظبي كتاب جديد بعنوان "الوطن في الشعر الإماراتي المعاصر" للمؤلفة وفاء أحمد راشد العنتلي, والكتاب عبارة عن أطروحة أكاديمية اعتبرتها المؤلفة بداية لمرحلة البحث في حياتها الأكاديمية حيث بينت في مقدمة الكتاب أن قصيدة الوطنمن القصائد المهمة والمؤثرة في الشعر الإماراتي غير أنها لم تحظ بالدراسات الجادة في الكثير من الأحيان.

ويؤكد الكتاب أنّ موضوع الوطن والنهضة من أهم الموضوعات التي لا زالت تشكل جزءاً مهما من أغراض الشعر في دولة الإمارات، فطبقة الأدباء والشعراء اهتمت اهتماما خاصا بالنهضة في هذه الفترة الذهبية من عمر الاتحاد، والمتتبع للحركة الشعرية في الامارات يجد أنها مرت بعدة مراحل قبل الاتحاد وبعده، فتطورت قصيدة الوطن وأدوات الشاعر مع تطور الاتحاد ونمت به، وإذا ما عدنا إلى الوراء نجد ن ملامح الوطن تتعدد عند الشاعر الإماراتي قبل الاتحاد إلى يومنا هذا.

والكتاب يقع في 298 صفحة من القطع المتوسط مقسم إلى فصلين وتمهيد, والتمهيد كان وفق محورين, الأول بعنوان قصيدة الوطن في الشعر العربي من العصر الجاهلي إلى العصر الحديث تناولت فيه المؤلفة تطور هذا الأدب عند الإنسان العربي والأسباب التي جعلت الأشعار تزخر بحب الوطن, وكيف أن قصيدة الوطن في الشعر العربي عامة أثرت بها ظروف الاحتلال التي كانت سائدة في الوطن العربي مثل مصر ولبنان وسوريا ودول شمال أفريقيا ودول الخليج العربي.

أما المحور الثاني من التمهيد فتناول الشعر الإماراتي بين سلطة المكان وسلطة النص الشعري، وهنا تركز المؤلفة على أهمية دراسة المكان وتأثيره في القصيدة الوطنية وأنه لا يمكن دراسة الشعر الإماراتي وعلاقته بالوطن قبل دراسة المكان في القصيدة الإماراتية على اعتبار أن الشعر الوطني في الإمارات مرّ بعدة مراحل والشاعر الإماراتي له موقفه الخاص وتصوره الذاتي نحو المكان "الإمارات" لذلك دراسة المكان داخل النص الشعري في القصيدة الوطنية تمت من خلال عدة زوايا متعلقة بالزمن الذي مر به المكان "الوطن" قبل قيام الاتحاد وبعده, مسوغة تفردها في دراسة المكان وتأثيره في النص الشعري بأن هذا الموضوع لم يأخذ حقه من الدراسة كما في الرواية على اعتبار أن شعر الوطن يرتبط ارتباطا مباشراً بالبيئة التي أنتجته والإنسان الذي أبدعه .

أما الفصل الأول من الدراسة فتناول ثلاثة محاور, الأول بعنوان الوطن وبناء النهضة وتحدثت فيه عن النهضة الأدبية قبل قيام الاتحاد وتأثيرها في القصيدة الوطنية وكذلك صورة الوطن قبل الاتحاد وما أضافه الاتحاد إلى هذه الصورة كما تحدثت عن ثلاثية الوطن والقائد والاتحاد وكيف أثرت في الإمارات, والمحور الثاني بعنوان شعر الغربة والحنين إلى الوطن تحدثت فيه عن الوطن بين غربة الذات وغربة المجتمع, والمحور الثالث عن شعر الوطن وعلاقته بالأمة العربية من منظور أن الشاعر الإماراتي ينظر إلى الوطن العربي بأكمله بأنه وطنه.

وتناول الفصل الثاني الشق الفني من الدراسة وفق ثلاثة محاور هي اللغة والصورة والموسيقى الشعرية حيث لفتت المؤلفة إلى أن القصائد الوطنية الإماراتية تتميز بطابعها الخاص وقدرتها على إحياء الموقف والتعبير عن خلجات نفس الشاعر، وأنها أيضا لوحة من نوع خاص يطرزها الشاعر بأعذب الألفاظ وأرق الكلمات ويلونها بشتى ألوان الصور الشعرية والرمزية التي تضفي العديد من الجماليات إلى القصيدة الوطنية ويضعها بين أيدي القارىء بإطار من الموسيقا التي تجعل من القصيدة الوطنية مرسى لموانىء الوطن والشعب.

وخلصت المؤلفة إلى أن الآداب الإنسانية جميعا تتفق على أن الوطن هو الملاذ الآمن للإنسان على مر العصور فهو الأم ورمز العطاء الأبدي، وكان وما زال الوجهة الأولى والأخيرة للإنسان يحن ويشتاق إليه ويشعر بالغربة والشجنإذا ما ابتعد عنه, لذلك تؤكد المؤلفة أن القصيدة الوطنية جاءت معبرة عن هذا الحب والحنين للوطن بمزيد من الصدق والعفوية وكانت التجربة الشعورية هي المسيطرة على مسار القصيدة الوطنية، ولأن الإمارات جزء من تاريخ الشاعر الإماراتي بل هي كل التاريخ بالنسبة إليه فقد عبرت القصائد الوطنية عن مشاعر الشاعر المعقدة التي جاءت ممزوجة بالحب والأمان في ظل الاتحاد غير أنها تنحو نحو الحزن والألم لما يحل في الوطن العربي الكبير.

وتوصلت المؤلفة في دراستها إلى العديد من النتائج التي تمثل من وجهة نظرها مرجعية مهمة في دراسة ونقد الشعر الوطني فيما بعد ومن هذه الاستنتاجات أن قصيدة الوطن في الشعر الإماراتي بدأت محاكاة للقدامى وتوافقا مع الحركات الاصلاحية في الوطن العربي فبكى الشاعر الإماراتي الطلل وعمد إلى النصح والإرشاد.

وأنه في مرحلة الاتحاد جاءت القصائد الوطنية لتعبر عن انتقال الشعب من الماضي المرير وشظف العيش إلى الحاضر الجميل والتطور والرخاء والنهضة, كما لا حظت سيطرة سلطتين كبيرتين على القصائد الوطنية وهي سلطة المكان الإمارات بجزيئاته حيث غالبا ما تكون بؤرة مركزية تضيء فضاء النص والسلطة الثانية هي الزمن الخاص بالاتحاد الذي أثر على مسار العديد من القصائد الوطنية زمن النهضة, وكذلك أثرت وفاة المغفور له بإذن الله الشيخ زايد رحمه الله القائد والباني على مسار القصيدة الوطنية وأصبحت ذكرى وفاته بؤرة قاتمة في ذات الشاعر الإماراتي بلا وعي منه, وأن التنوع في القصائد الوطنية من النهضة والحنين إلى الشعر القومي جعل من الشعر الإماراتي موسوعة لمرجعيات تاريخية كثيرة.

وقد اعتمدت المؤلفة في هذه الدراسة المنهج الموضوعاتي الفني الذي رأت فيه القدرة على تناول قصيدة الوطن بمزيد من الدراسة والتحليل والنقد حيث تكمن خصوصية هذا المنهج من خلال استفادته من الخطوات المنهجية التي سار عليها الرواد الغرب ثم تطوره بناء على جهود مجموعة من النقاد العرب, غير أنه ثمة صعوبات واجهت المؤلفة في انجاز هذا الكتاب ومنها قلة الدراسات التي تختص بالقصيدة الوطنية مقارنة بالزخم الشعري الموجود في الساحة الأدبية, وندرة المراجع التي تختص بشعر الوطن الإماراتي وغياب القصائد الوطنية التي يمكن أن تشكل بدايات شعر الوطن فضلا عن أن الشعر النبطي يشكل جزءاً لا يستهان به من القصيدة الوطنية.

وتعتبر أكاديمية الشعر بأبوظبي أول جهة أدبية متخصصة في الدراسات الأكاديمية للشعر العربي بشقيه الفصيح والنبطي, وجاءت فكرة تأسيسها استكمالا للاهتمام الذي توليه إمارة أبوظبي للأدب والثقافة بما في ذلك الشعر الذي يعد مرجعا مهما وأصيلا في تاريخ العرب.

وعملت الأكاديمية في برنامجها السنوي على النهوض بالأنشطة الثقافية المتعلقة بالحقل الشعري وتنظيم محاضرات وندوات بحثية وورش عمل أدبية بمشاركة نخبة من الباحثين والمهتمين من مختلف دول العالم.

كما يتضمن البرنامج السنوي لأنشطة الأكاديمية إقامة الأمسيات الشعرية لمختلف التجارب من أنحاء الوطن العربي علاوة على اهتمامها بنشر الإصدارات الشعرية الإبداعية منها والعلمية.

كما تعمل الأكاديمية على تأسيس مكتبة عامة متخصصة في دراسات وإصدارات الثقافة الشعبية بمختلف أوجهها ومجالاتها.