مدينة تخسر أبناءها

عبثا تحاول استرداد ذاتك وتحقيقها

المدينة تتسربل بثوبها النظيف، مدينة نقية تحارب الشذوذ، وتستأصل دائما زوائدها. مدينة اللون الواحد، الخط الواحد، الفكر الواحد، الإنسان الواحد. مدينة الشبه والتشابه والأشباه المستنسخة والتي تكرر ذاتها في المكان والزمان، في الزمان لأنها مدينة المجازر التراثية التي تفتك بالموروث وتضيف إليه كما تشاء، وفي المكان لأنها مدينة القوالب الجاهزة التي تحيل الأفراد إلى أرقام صالحة فقط لغرض التعداد السكاني.

هذه المدينة تأكل أبناءها.. تطردهم وتنفيهم وتلعنهم. أبناؤها عصاة، لأن لهم طبيعة آبقة، طبيعة من شأنها ترقيع الثوب وتلويث نظافة المدينة الفاضلة اليوتيوبية التي تخيلها أفلاطون في برنامجه السياسي، يجب أن يطرد العصاة وتستأصل شأفتهم حتى تنعم المدينة بسلامها وأتباعها السعداء، التابع سعيد أما المستقل بذاته فشقي.

جرب أن تكون مستقلا وستجد نفسك منفيا ومستبعدا، بل حتى مطاردا، ستجد ذاتك مصدر ريبة وازعاج، أما التابع فسعيد لأنه عكس المستقل، مصدر ترحيب وعناية وقبول. عبثا تحاول استرداد ذاتك وتحقيقها، أن تكون سيد مصيرك، لأن القولبة مستبدة بقطعانها البشرية، إنها الجنة التي خلفها جحيم السقوط، أو المدينة التي خلفها صحراء من النفي والتشرد.

هذه الصورة لمدينة كئيبة، تنم عن نزعة متشائمة مفرطة، صورة غاية في السوداوية. أعرف ذلك لكن لا تلمني أيها القارئ الكريم، فنحن بحاجة أحيانا إلى التركيز على المناطق المعتمة، ليس بالضرورة لمحوها من المشهد، بل - على الأقل - للوعي بها. فمقابل النزوع للتفرد والاستقلالية نواجه ترسانة هائلة من مفردات التدجين القطيعي ونسيان الذات والسباحة الأزلية في مستنقع الشمولية.

العيش في هذه المدينة عبء كبير، الحياة باستقلال وتفرد ضريبة تدفع يوميا، فهي على اتساعها تضيق بأبنائها ولا تتسع إلا لحشد القطيع، لأبناء القبيلة والطائفة، للطاعة والامتثال، إنها مدينة مكونة من حيز يبتلع كل خصوصية فردية، الفرد فيها لا يعرف أين تبدأ ذاته الخاصة، التي يرتضيها لنفسه وأين تنتهي الأطنان الضخمة من المؤثرات الاجتماعية، أين ينتهي المجتمع/ الحالة الجماعية/ القطيع، وأين يبدأ الفرد، أين يتعرى ويواجه مصيره الخاص، لا مسافات واضحة في هذه المدينة، كل شيء مختلط وملتبس وسديمي.

في كتابه "المجتمع المفتوح وأعداؤه" يقابل "كارل بوبر" بين هذه المدينة التي يسميها مجتمعا مغلقا، وبين المجتمع المفتوح كما يراه، ضمن ثنائية تستعيد التنافس اليوناني الشهير بين مدينة أثينا ومدينة اسبارطة، بين مدينة أطلقت العنان لمواهبها العبقرية وأخرى مكافحة لاسترداد فردوسها القبلي.

ثمة خصائص تجلي لنا الصورة أكثر، فمدينة تأكل أبنائها هي حتما مدينة طاردة للعباقرة، مدينة تقتل الإبداع قبل أن يولد، إنها مدينة "المجتمع" بألف لام التعريف.. أي المجتمع المتعين، ذاك الذي يشكل سقفا لا مرئيا يظلل ويقهر كل شيء ويرغمه على التماثل، مجتمع السيطرة التي أحالها عالم الاجتماع الشهير دوركهايم إلى قهر أسطوري مقدس لا يمكن الشعور به ولا مواجهته.

ومع بوبر سنلاحظ مزجا سحريا بين طبيعة قاهرة وثقافة متخمة بمحرماتها، القانون المعياري المتسم بطبيعة تواضعية واعتباطية واختيارية سيلتحم وسيجد تأثيره على ظواهر الطبيعة ذاتها، مما يعني أن القيمة ثابتة ثبات الحجر أو الجبل الرابض في مكانه، وبالتالي لا مكان للضمير والايمان الفردي، إذ أن أبسط خرق للقيم الثقافية الناجزة من شأنه أن يغضب الطبيعة وويلاتها، وبالتالي سيجر على المدينة ما لا تطيق من الكوارث والأوبئة.. لا مكان للتحرر، والاستقلال في هذه المدينة، لأنك لو اقترفت زلة وأنت في منزلك فقد تصيب المدينة بأسرها بطوفان أو هجمة شرسة من الأشباح والشياطين.

ثم تتابع هذه الخصائص إلى أن تبدو المدينة رقعة شطرنج، مساحة لبيادق تتحرك عضويا تحت رغبات متعالية على الأفراد ومتجاوزة لهم، مما يعني أن الفردية شر، بل أن الفرد "هو الشر متجسدا". الفردانية والاستقلال الذاتي ووضوح المصير وحريته وسيادته محرمات تستمطر اللعنة والنقمة، فليس للفرد إلا الانكفاء والعزلة أو البقاء كبيدق ثابت في مساحة ضيقة من رقعة المدينة.

أما المجتمع المفتوح فهو "المجتمع المجرد". فبخلاف هيغل يمنح بوبر الفيلسوف الساخط على كل نزوع تاريخاني، مجتمعه الفاضل بعدا تجريديا، فهذه المدينة، وبشيء من المبالغة، متخففة من وجودها، إنها مجردة من التعينات السيسيولوجية: جماعية أقل/ قوانين أقل/ محرمات أقل.. الخ كل ذلك يعني في تصور فيلسوف "المجتمع المفتوح" مجتمعا أفضل، مجتمع يضيق لتتسع الذوات الفردية ويتسع لها المكان فتتنفس دائما هواء ذاتها وحريتها. وتتصالح المدينة مع ذاتها، مع سقوطها من طهارتها الأولى، تكف المدينة عن أن تكون مزدوجة (للمدينة العلنية ضرتها التي تنشط في السر). وباختصار تبتعد هذه المدينة عن اسبارطة، المدينة العسكرية التي كل شيء فيها معد للانضباط والطاعة، لتعانق أثينا، المدينة المائية التي لا تأكل أبناءها.

وربما كان في هذا الاستحضار التاريخي لمدينة اليونان افادة كبيرة لكشف تشوهات المدينة الحاضرة، في نسختها العربية تحديدا، فالمجتمعات العربية التي أحرزت تقدما ماديا ملموسا في استيراد التقنية ومدن الاسفلت، هي نفسها المسكونة بذهنية القبيلة والجماعة والثقافة المعبأة بالتابو والمحرمات، فيما يسميه بعضهم بالتناشز الاجتماعي وازدواجية التحديث.

لقد جمعت المدينة العربية في باطنها بين محاسن اسبارطة ومساوئ أثينا، فصار الفرد العربي معلقا حائرا بين المطرقة والسندان، فإما النفي الاختياري بعلاته وقسوته أو الانسحاق ببيع الذات للقبيلة، إما العزلة الباردة والقاسية للاستقلال والتفرد، أو الرضوخ لأخلاقيات الطاعة وبالتالي الاكتساب القهري لخصلة النفاق.

ليست المدينة العربية مجتمعا مفتوحا ولا هي مجتمع مغلق، ليست أثينا ولا اسبارطة، إنها "بين بين" مدينة ضائعة وتائهة بين تحديث مرحب به وحداثة ليس لها موطئ قدم.