الجيوب 'الإخوانية' في المؤسسات المصرية

مخطئ من يتصور أن المعركة المحتدمة بين السلطات الرسمية في مصر وجماعة الإخوان أمنية فقط، فلا تزال هناك حزمة من المعارك الممتدة في مجالات مختلفة. وإذا كانت الأجهزة الأمنية نجحت في قصقصة الكثير من الأجنحة العسكرية للجماعة في سيناء ومحافظات متعددة وتمكنت من توجيه ضربات موجعة لها، فإن هناك جيوبا لا تقل خطورة مستمرة في أداء دورها لخدمة الجماعة وأهدافها السياسية، وربما تكون هذه المواجهة الأخطر في الفترة المقبلة، لأن عناصرها تغولت في بعض المؤسسات، بما جعل عملية اجتثاثها تحتاج لمزيد من الوقت. كما أنها تغلغلت في نسيج المجتمع بصورة يصعب الوصول إليها بسهولة، الأمر الذي يتطلب سياسات محكمة وإجراءات متكاملة، حتى يتسنى الحد من مخاطرها، بعد أن تحولت إلى أذرع خفية تمد الجماعة بمعلومات قللت من فعالية الترتيبات التي استهدفت شل حركة البؤر النشطة خلال الفترة الماضية.

الحاصل أن الجماعة استفادت من الفراغ السياسي الذي لازم السنوات الأخيرة لحكم الرئيس الأسبق حسني مبارك، واستطاعت أثناء الفترة القصيرة التي وصل فيها محمد مرسي مرشح الجماعة لقمة السلطة أن تنشر أفرادها في هيئات متباينة، وتتحكم في مفاصل أمور ليست قليلة. وهو ما ضاعف من صعوبة المواجهات الراهنة، ولم يحصرها في الشق المسلح. ولعب هؤلاء دورا مهما في تفشيل بعض التحركات على مستويات عدة. ولعل المعلومات التي تسربت حول دور هذا الفريق في تفويت الفرصة على أجهزة الأمن في القبض على عدد من العناصر الخطرة المنضمة لهذا التنظيم أو متحالفة معها أبلغ دليل. حيث تمكن، أكثر من مرة، كل من عاصم عبدالماجد وطارق الزمر، من الافلات من الحملات التي شنتها أجهزة الأمن للقبض عليهما، بناء على وشايات وصلت إليهما من قبل ضباط وأفراد شرطة. كما أن عملية اغتيال المقدم محمد مبروك أمام منزله فجر الاثنين 19 نوفمبر- تشرين الثاني الجاري، تعد دليلا دامغا على الدور الخطير الذي يلعبونه في الابلاغ عن تحركات القيادات الأمنية المهمة واستهدافهم وفقا لمتابعات دقيقة. فالمقدم مبروك أحد أهم ضباط الأمن الوطني، ويعتبر الشاهد الأساسي في قضايا متهم فيها الرئيس المعزول، ومعروف عنه متابعته الدقيقة لنشاط قيادات الإخوان. وكثير من الخبراء أكدوا أن محاولة الإغتيال الفاشلة التي تعرض لها اللواء محمد إبراهيم وزير الداخلية قبل نحو شهرين، جاء ترتيبها بعد معلومات وصلت للإرهابيين الذين نفذوا العملية من قلب الوزارة.

المسألة فاقت ذلك بكثير، وتمثل المواجهات والاحتكاكات اليومية داخل المدارس والجامعات أحد أهم المعارك التي تحتاج لجهود مكثفة لاقتلاعها من جذورها. ولنا أن نتخيل حجم التأثيرات السلبية الناجمة عن وجود مئات الآلاف من المعلمين والمعلمات في المراحل التعليمية من الابتدائي وحتى الثانوي، والدور الذي يقومون به في نشر الأفكار الشيطانية للإخوان، للدرجة التي وصلت إلى التبشير المبكر ومحاولة السيطرة على عقول أطفال في عمر الزهور، عبر نثر خرافات تخدم الإخوان، في صورة أفكار لخدمة الإسلام. فضلا عن سياسة العقاب التي تطبق مع من يظهرون ميولا ضد الجماعة. والعكس صحيح، أي ثواب كل من يتبنى أو يؤمن بأفكارها أو خرافاتها الدينية والسياسية. وإذا أخذنا في الحسبان أن هناك مئات المدارس التابعة لقيادات ومحسوبين على الجماعة، تصبح المصيبة أعظم، والتي فشلت حتى الآن وزارة التربية والتعليم في وضع رؤية تساعد على تجاوز هذه الكارثة. فلا تزال هذه النوعية من المدارس تبث سمومها في أذهان التلاميذ، لأن العلاج يتطلب المزيد من الوقت، ويحتاج مواجهة تعليمية صارمة، وخطط سياسية متكاملة.

الوضع في الجامعات لا يقل خطورة عن المدارس، ربما يفوقها بمراحل، لأن الجيوب الإخوانية هنا، تظهر بجلاء في أوساط الطلبة والطالبات وأعضاء هيئة التدريس. ففي إحدى الجامعات يوجد حوالي 90 عضو هيئة تدريس ينتمون للجماعة. لذلك تجد المظاهرات التي نراها في عدد من الجامعات كل عناصر الدعم لتأجيجها من الداخل. طلبة وطالبات تمت تربيتهم سياسيا على السمع والطاعة لأفكار مشوشة، وأساتذة تعلموا كيف يخدمون الجماعة. وفي خضم الخسائر التي مني بها التنظيم، لم يعد أمامهم سوى سلاح شل حركة المؤسسات، ومحاولة التوسع في سياسة الإرباك، أملا في الوصول إلى الفوضى ثم الانفلات. ويجد هؤلاء وهؤلاء دعما خفيا من طاقم إداري عقيم ينتمي للجماعة، تمكن في أحيان كثيرة من تسريب بعض الأسرار التي ساهمت في نجاح مخططات التخريب. وقبل أيام قليلة ألغيت في جامعة حلوان (جنوب القاهرة) ندوة عن طه حسين، بعد قيام طلبة وطالبات من الإخوان بالصراخ والصياح وسب وقذف من حضروا للمشاركة فيها، عقب مؤامرة حاكها عدد من الإداريين لمساعدتهم في الوصول بسلاسة للقاعة المجهزة لاستضافة الندوة.

الواقع أن هذه التصرفات، الخافية على كثيرين، جعلت عملية اجتثاث الإخوان غاية في الصعوبة، خاصة إذا أضفنا إليها النشاط الملحوظ الذي تقوم به بعض النقابات المهنية، ذات الصبغة الإخوانية مثل، الأطباء والمهندسين والمعلمين المحامين، وهي تضم مئات الآلاف من الأعضاء، والتي تضاعف من تكلفة المواجهة المتشعبة حاليا، وتفرض على أصحاب القرار في الحكومة المصرية المفاضلة بين خيارين أحلاهما مر.

أحدهما، مواصلة طريق الحسم، وتفريغ الجيوب النشطة من عناصرها الإخوانية، من خلال الإحلال والتبديل في المفاصل الحيوية في المؤسسات التعليمية والشرطية وغيرهما. ومشكلة هذا الطريق أنه ينطوي على مطبات مجتمعية خطيرة، لأنه يمكن أن يؤدي إلى أزمات متلاحقة، بعضها قد يجلب صداعا سياسيا لا يحتمل من جانب منظمات حقوق الإنسان الدولية، التي يجيد أفراد الجامعة التعامل معها، والعزف على أوتار كلمات مثل، اضطهاد، ومظلومية، واقصاء وخلافه، بما يسيء للسلطات الحاكمة.

أما الخيار الثاني، فهو خاص بفتح الباب لشيء من الليونة، تمهيدا لحوار سياسي (غير مضمون) مع القيادات، يفضي إلى تسوية (صفقة) توقف التخريب المتعمد ونزيف التحركات التي يقوم بها عناصر الإخوان. لكن وسط الرفض الجماهيري العارم، سوف يؤدي التفاهم، تحت أي صيغة براقة، إلى مشكلات سياسية عميقة، لا يعلم مداها إلا الله، بينها صب كل أوجه الرفض والنقمة على الحكومة الحالية، لأنها تجرأت وسمحت بالحوار مع جماعة تسببت في نكبات وتبنت سياسات أضرت بالأمن القومي للبلاد.

في ظل هذا الإنسداد، تحتاج المسألة إلى بحث عن طريق آخر للتخلص من مخزون الإخوان الاستراتيجي في المؤسسات، لأن التنظيم، المنهك أمنيا وسياسيا، عازم على عدم وقف مسار التخريب والتدمير، باعتباره المفتاح الوهمي للنجاة، في نظر القيادات التي روجت لسياسات خيالية.