الوهابيون يشوهون المقامات الصوفية بتونس

متى تتّخذ الحكومة إجراءات لحماية تراث تونس؟

تونس - تعرض من جديد مقاما الوليين الصالحين سيدى الجيلاني وسيدي الزواي الواقعين بمنطقة الدوارة من معتمدية أم العرائس من ولاية قفصة في الجنوب التونسي، الليلة الفاصلة بين السبت والأحد إلى التخريب وإتلاف محتوياتهما.

وتمّ بإخراج تابوتي الوليين الصالحيين من داخل الزاويتين وتحطيمهما بالكامل إضافة إلى تخريب وإتلاف محتويات الزاويتين من الزرابي والأفرشة والحشايا وتهشيم أواني فخارية مخصصة لحفظ الماء.

ويتواصل مسلسل حرق وتخريب أضرحة الأولياء الصالحين بتونس، لتتجاوز حوالي 150 ضريحا بعد ثورة 14يناير/كانون الثاني، وآخرها مقام "سيدي بوسعيد الباجي"، العالم المتصوف الذي منح اسمه للقرية التي تطل على خليج تونس بالضاحية الشمالية للعاصمة وهي قبلة السياح الوافدين من مختلف دول العالم.

وأمام صمت الحكومة التي تكتفي بالاستنكار والتنديد، دون اتخاذ الإجراءات الاحتياطية والوقائية اللازمة وتحديد هوية وانتماء الجهة التي تقف وراء ظاهرة الاعتداء على الأضرحة، التي بدأت تتهاوى الواحدة تلو الأخر، ترتفع أصوات المجتمع المدني منادية بضرورة إيقاف المتورطين وتقديمهم إلى العدالة.

ويفيد أغلب الناشطين، في الحقل الثقافي وفي المجتمع المدني، أن المتورطين في عمليات حرق مقامات الأولياء هم أشخاص أو جماعات لا ينتمون أصلاً للثقافة التونسية وتحكمهم توجهات ومبادئ دخيلة ووافدة وغريبة عن المجتمع، خاصة بعد تكرار هذه الظاهرة التي أتت على أبرز رموز الموروث الثقافي بالبلاد التونسية.

ويوجهون أصابع الاتهام إلى عناصر إسلامية متشددة تنتمي إلى الفكر الوهابي، باعتبارها ترى في زيارة أضرحة الأولياء الصالحين شركًا بالله.

وتنوّعت هذه الاعتداءات وتعدّدت ولعلّ أهمّها تلك التي انطلقت بهدم الجزء العلوي لقبة الولي الصالح سيدي المحارب الكائن بمنطقة الفالاز المطلة على شاطئ البحر بولاية المنستير، واعتداءات سابقة على مقامي وليين صالحين من خلال النبش عن رفاتهما، وهدم قبة زاوية سيدي يعقوب بمنطقة مطماطة الجديدة التابعة لولاية قابس بالجنوب التونسي، وهدم ضريح الولي الصالح سيدي عسيلة في بادرو بالعاصمة، وحرق مقام الولي عمر السماتي الموجود بمقبرة في ضواحي مدينة سبيبة من ولاية القصرين بالوسط الغربي.

وكذلك، حرق مقام الولي الصالح علي الحشاني بمنزل عبد الرحمان بولاية بنزرت بأقصى شمال تونس وحرق مقام "سيدي عبد القادر"، بمدينة منزل بوزلفة بالوطن القبلي وحرق مقام السيدة المنوبية بولاية منوبة وحرق ضريح سيدي عبد السلام بالعاصمة وضريح "سيدي عبد العزيز" بالمرسى، وحرق مقام سيدي صالح بجندوبة بالشمال الغربي للبلاد التونسية، ولعلّ أشهر المقامات مقام الولي الصالح سيدي بوسعيد الذي يعتبر من أهم الوجهات السياحية بتونس.

وأدانت منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (اليونسكو)، في بيان تدنيس وحرق مقام الولي الصالح"سيدي بوسعيد الباجي"، معتبرة أن حرق هذا المكان الرمزي الذي يعود إلى القرن الثالث عشر والذي أعطى شهادة ميلاد قرية سيدي بوسعيد يمثل خطوة إضافية في حملة تدمير معالم من الذاكرة الثقافية وتاريخ تونس، وهذا التدمير التراجيدي لا يسيء فقط للتراث الروحي والمادي للبلاد ولكنه يستهدف قيم التسامح واحترام المعتقدات المختلفة والتنوع الثقافي".

كما دعت المنظمة السلطات التونسية، لاتخاذ الإجراءات العاجلة لحماية المواقع الأثرية التي تمثل ثراءً ثقافيًا وتاريخيًا في مواجهة أي اعتداء يهدد سلامتها، وأبدت اليونسكو استعدادها لتقديم المساعدة الضرورية لإعادة تهيئة المواقع التي تعرضت للاعتداء.

وقال المفكر ورجل الدين التونسي مازن الشريف لميدل ايست أونلاين، "أنصار الفكر الوهابي وراء هذه العمليات، وسيتمرون في اعتداءاتهم ولن يتوقفوا أبدا لأنهم أعلنوا الحرب على تونس الثقافة وتونس الاعتدال والتسامح "، وأضاف " الوهابيون سيواصلون حرق المقامات الصوفية لأنهم مولعون بذلك، وحصيلة المقامات التي تمّ الإعتداء عليها فاقت 150 مقاما".

ورأى مراقبون أن هذه الممارسات لن تزيد المسائل إلا تعقيدا ولن تكون فيصلا في قطع الصلة الروحية والعلاقة الميتافيزيقية التي تربط الفرد بالأولياء الصالحين الذين يتبركون بهم ويعتبرونهم مثالا في التقوى والطاعة والإيمان، وان الجماعات المتشددة التي تأتي مثل هذه الأفعال تعتبر ان ما تقوم به من ممارسات إنما يندرج في اطار تطهير الفكر البشري من الاعتقادات الظلامية التي تعتبرها منافية لما يقدمه الدين الإسلامي، وهي حسب اعتقادها تفكير خاطئ يسيء إلى الفكر الإسلامي، وهو سلوك ارعن يعطي فكرة خاطئة عن السلف الصالح وعن الإسلام وعن القيم الإنسانية.