التُّراث الرُّوحي ... العازل بين السِّياسة والدِّين

تخطي الذات إلى الموضوع

دبي- في أول نشاط له استضاف مركز دُربة، التابع لمركز المسبار للدراسات والبحوث بدبي، الاثنين الماضي (11 نوفمبر) الباحث والروائي المصري يوسف زيدان في حديث تحت عنوان "تراثنا الروحي". معلوم أن التراث الروحي، في المنطقة، ما قبل الإسلام وما بعده، زاخر وغني، يدخل فيه الفن والدين والفكر، بداية من العهود العراقية والمصرية الأولى إلى وجود الديانات التي اصطلح عليها بالسماوية أو الكتابية، من الرسومات والخطوط على جدران الكهوف إلى تشييد المقابر على هيئة زقورات أو أهرام.

قدم زيدان، الذي حضر بدعوة من معرض الشارقة للكتاب، لحديثه بتعريف التراث والروح، على أن الأول هو كل التركة الثقافية والكتابية، في العلم والأدب والشعر، وكل ما تناقلته الأجيال جيلاً عن جيل، منه المدون ومنه المنقول شفاهيةً. أما معنى الروحي فيتعلق بما هو ليس مادياً، من الفكر والعادات والتقاليد، والأديان والعبادات بشكل عام تدخل في هذا المعنى، فالمقصد بالتراث الروحي هو تلك التركة الذهنية والعقلية والعاطفية.

بعدها وصل المتحدث لجوهر الموضوع وهو الحديث عن التصوف والصوفية، وله في هذا المجال عدة أعمال كتابية، وأخرها تحقيق مقدمة السلمي في التصوف. انطلق في الحديث عن الصوفية من ثنائية الذات والموضوع، فالإنسان الصوفي، وهو في ذروة الروحية كل الذي تغير فيه، بالانتقال إلى الصوفية، هو تخطي الذات إلى الموضوع، والصوفية على العموم يتخلون عن ذواتهم إلى الموضوع وهو الابحار في الذات الإلهية، والتحول من العلم إلى المعرفة، فما بين الثنائي الأخير هو ما بين الثنائي الأول، والعلم هو أداة المعرفة، أو هو الطريق إلى المعرفة.

وهنا توقف المتحدث قليلاً عند مصطلح الغنوصية، وهي العرفانية، والعرفان هو معرفة الله أولاً وآخرَ، ويمكن تعريف الصوفية بأهل العرفان، والعرفان يعني معرفة خاصة، فليست كل معرفة يشار إليها بالعرفان.

الصوفي الحقيقي: مَن أنا؟ أنا لا أعرف!
لم تكن الصوفية مختصرة على الإسلام، فعند اليهودية تعرف بالقبالة، وعند المسيحية بالرهبنة، وهي كلها صوفية مع اختلاف الأسماء، واختلاف الرؤى، لكن المضامين هي نفسها، أي الانطلاق من الذات إلى الموضوع.

حسب زيدان أن الطرق الصوفية، والتجمعات التي تعرف بالطرائقية، لا تمثل الصوفي العابر من الذات إلى الموضوع، فهذه عبارة عن تنظيمات أو ممارسات اجتماعية باسم التصوف، بينما المتصوف الحقيقي هو الذي يقول: "من أنا"، "أنا لا أعرف"! ويصبح من أصحاب الإشارات، واهل الإشارة عادة لا يتحدثون عن ذواتهم التي ذابت في الموضوع، فأحمد الرفاعي يردد كثيراً: "أنا لاشيء". السبب لأنه أدرك عظمة الله وعظمة الخلق بالعرفان، فعرف نفسه حق المعرفة. والمتصوف هو مَن شغل النفس كي لا تشغله، فالقول الصوفي معروف: "النفس إن لم تشغلها شغلتك"، فعليك اشغالها بالذوبان في الموضوع. أو ما عبر عنه عبد القادر الكيلاني بالخروج من "شهوة الكلام"!

ليس الانتقال من الذات إلى الموضوع منحصراً على الفكر الصوفي فحسب، إنما حتى العلماء عندما ينشغلون في موضوع معين يبذلون له كل جهدهم، ويفقدون التفكر في ذواتهم، إنما يكون الموضوع هو الشاغل، فالفنان أو العالم عندما تجده غير مهتم بهندامه أو صحته أو ما حوله من التقاليد والأعراف فهو بهذا يشكل حالة الخروج من الذات بكليته إلى الموضوع، وأتى المحاضر بابن النفيس الطبيب والمتنبي الشاعر نموذجاً.

السؤال: ماذا يشكل التراث الروحي لنا اليوم في هذا النزاع الديني والمذهبي وما يقوم به الإسلام السياسي من مصادرة الدين ومحاولات الهيمنة على السلطة؟ صحيح أن المحاضر لم يتطرق إلى ذلك بشكل مباشر، لكن كل الحديث كان يجري عن تحديد العازل بين الدين والسياسة، وعلى الخصوص في زمن الإسلام السياسي الذي تعيشه المنطقة، والتكالب على السلطة، بشتى الطرق، هنا تشكل الصوفية، كأهم عنصر من عناصر التراث الروحي، ذلك العازل أو الواقي، لأنها تقدم الدين بعيداً عن النفعية الذاتية. وباختصار أن الإنسان لا يصح أن يكون صوفياً إذا لم يتجاوز الذات إلى الموضوع.

ونشير إلى أن يوسف زيدان بالوقت الذي كتب في التصوف وعمل في فهرست المخطوطات فإنه روائي أيضاً، ومن أبرز أعماله الروائية "عزازيل". ختمت المحاضرة بأسئلة الحضور، ومن أهم الأسئلة هو كيفية النظر إلى التصوف من خلال التاريخ المدون، مع ما فيه من اختلاق لأشخاص وأدوار ، فرابعة العدوية وجودها مضطرب في الرواية، وهل هي الشامي أم البصرية، واين قبرها بالقدس أم بالبصرة؟ وكذلك ما يخص الحلاج، هل الشعر المتداول له أم مضاف عليه، وهل كان صوفياً أم سياسياً، وما علاقته بالتشيع، كون اسمه مذكوراً كأحد نواب المهدي المنتظر؟