عاشوراء... فـي حكاية الكراهية

دولة القانون بلا قانون

هل أنت سعيد لأن البعض اقتص من الموظف البريطاني، بسبب الراية التي رفض أن يعلّقها على سيارته، أم أنك ترى أنها صدمة، وفضيحة تكشف مستوى الوحشية التي وصلنا إليها؟

ضرب الموظف بكل هذه القسوة كان كاشفا لأزمة أخلاقية كبيرة، يجب علينا أن نعرف من خلالها، كيف بنت الكراهية والوحشية قواعدها في العراق ؟ سيجيب البعض إننا ابتعدنا عن الإسلام، وذهبنا حيث يسكن الشيطان.. فيما آخرون سيقولون لماذا تكتب عن ضرب موظف أجنبي، وتنسى عشرات الضحايا الذين سقطوا جراء الكراهية أيضا؟

في حكاية الكراهية، هناك الكثير ما يمكن التوقف عنده. كيف تعدّ الجريمة مجرد صولة لتطبيق مفاهيم دينية؟ كيف تجد مبررا للفتك بإنسان أعزل، وأنت تشعر بأنك حققت انتصارا على أعداء خارجين على إرادة الدين؟ أحاول هنا أن أسير خلف الحكايات، لأكتشف من خلالها، كمّاً كبيرا من المتناقضات، ففي الوقت الذي يجمع العمال كل همتهم في النيل من الموظف نراهم عاجزين عن الاقتصاص من الحكومة وهي تصّر على أن تمنع عنهم الخدمات والعدالة والحق في الرفاهية.

في حكاية الكراهية، هناك طرف يريد من الناس أن يخافوا بأي طريقة، مطلوب منهم أن يعيشوا في أغلال الكراهية، يريدون مواطنا طائفيا بامتياز.

لا يسأل عن عدد الذين تم اضطهادهم أو قتلهم، وإنما يستنكر الخروج على إرادة أمراء الطائفة، الذين بيدهم مفاتيح الدنيا، مواطن يكره جاره لأنه لا ينتمي إلى طائفته، ومن أجل هذا فلابد من إقامة نظام يجعل أمير الطائفة، هو أصل كل الأشياء، هو الذي يحدد لك من هم أعداؤك، ومن المسموح لك بمصافحتهم، ولأنك مواطن ضعيف العقل والإرادة، فلابد من حمايتك من تأثير الغرباء الذين يتآمرون على قيم المجتمع، لذلك عليك أن تخاف من كل ما لا ينتمي لعقيدتك، والأهم عليك أن تتخندق في مواجهة الجميع.

الخائفون يسهل تدجينهم، ويسهل ملء عقولهم بسيناريوهات المؤامرات التي لم نجد لها دليلاً واحداً حتى هذه اللحظة، يسهل إقناعهم بالخطر الذي يتهددهم في الدنيا والآخرة.

الحدث لم يكن عابراً في ثقافة الثأر
الخائفون مطلوب منهم ألا يصدقوا تقرير "معهد ليغانتوم" من أن العراقيين في مقدمة قائمة الشعوب الأكثر تعاسة، ومطلوب منهم أن يخرجوا ألسنتهم ليسخروا من حديث ممثل الأمين العام للأمم المتحدة الذي طالب فيه القوات الأمنية بأن تحترم المواطنين ، وتتوقف عن ممارسة انتهاكات حقوق الإنسان، لأن العراقيين عليهم أن يحمدوا الله ، لفلديهم قوات أمنية لا يمكن مساءلتها،، ولأننا نعيش في صولات "ظهر الحق وزهق الباطل"، ابتداءً من صولة قوات العقرب على منطقة الزركة عام 2007، وانتهاءً بملحمة قوات سوات بالحويجة، فالمطلوب أن لا تثار أسئلة عن عدد القتلى، ماذا يعني مقتل العشرات ، وجرح المئات ، واعتقال الالاف، ما دام النظام السياسي سالما، ومجلس النواب يغط في نوم عميق؟!

استئصال المختلفين معك عقيدة يريد أمراء الطوائف تثبيتها في أذهان الناس، وعلى الإعلام والقضاء الانضمام إلى جوقة "السمع والطاعة" ، هكذا يراد منا أن نعيش في ظل دولة الكراهية التي تصرّ على أن تجعل من الطائفة هوية، بديلا للمواطنة.. وتفسير الفشل في الخدمات والأزمات السياسية بأنه نتيجة المؤامرات الخارجية، والابتعاد عن تنفيذ وصايا السيد القائد العام للقوات المسلحة.

بضاعة الكراهية هي كل ما تبقى عند مسؤولينا وسياسيينا، كراهية تقوم على التمييز بين أبناء هذا البلد على أساس مدى قربهم من هذا الحزب ودفاعهم عن تلك الطائفة، ولأنها بضاعة فاسدة ومغشوشة فإن أصحابها يفسرون معاناة الناس والظلم الذي يعيشون في ظله مظلومية كل طائفة. مجموعات تعتمد على تحويل الكراهية إلى خطاب يومي يصوّر للبسطاء أن معاداة الآخرين هي الطريق إلى الجنة. يتشابه التخلف ومعه الكراهية.

تختلف أرقام وأحجام الضحايا، فيما الناس تدفع ثمن ما تجمّع عليها من دراويش وروزخونية ارتدوا زي الساسة، خطفوا كل شيء، المال والقانون، والرفاهية، والأمل. تجمَّعوا وخرجوا في خطاب كريه، في اللحظة التي يخرج فيها العالم كل يوم إلى الحرية والعدالة الاجتماعية والمستقبل، فيما نحن لانزال نصرّ على أن الطريق الوحيد للتطور يمرّ عبر "سحل" إنسان، لأنه ليس من طائفتنا.

علي حسين

كاتب عراقي