الجَنُوبُ .. الحِفَاظُ الأزَلِيُّ لِلهُوِيَّةِ

الجنوب يرى المعركة بفلسفة استثنائية

إذا أردت أن تبحث عن ملامح التنوع الثقافي الخلاق مع الاحتفاظ بسمات للهوية فلا تعبأ بالتنقيب والتفتيش عن أمكنة متعددة، بل عليك أن تذهب مباشرة نحو الجنوب، هذا الجنوب الذي يعد بقعة سحرية في جغرافيا الشعوب والدول، لأنه المقام العمراني والجغرافي الوحيد الذي يصر على عدم الدخول في معركة البقاء التاريخي، لا لقصور أو عجز، بل لأنه بالفعل يغرد خارج السرب، ويغني منفرداً خارج السياق.

والمستقرئ لتاريخ الثقافات الجنوبية على مستوى العالم يفطن إلى حقيقة مهمة، وهي أن الجنوب منذ ولادته على أرض الأوطان وهو في حفاظ أزلي للهوية، ليس فقط لهويته الثقافية المتفردة، بل لطبيعة الوطن ذاته، لذلك نجد ثمة رهان سياسي وثقافي من النظم السياسية الحاكمة على أولئك القاطنين بالجنوب.

وفي هذا الجنوب نجد أركان ومقومات الثقافة متجسدة فعلياً بغير تنظيرات أو طروحات مكرورة ومملة، فاللغة تجد مهاداً خصباً لها بغير تصحيف أو تحريف، والموسيقى كجزء من الهوية الجنوبية نجدها تحتفظ بطبيعتها التي تبعد تمام البعد عن الصخب والضجيج وهي متلازمة مع أنماط الحياة السائدة هناك. وكذلك الملامح الثابتة التي لم تعبأ بهوس الاستلاب نحو التغريب كالمأكل والمشرب، ولعل كلمة السر في هذا كله هو تقديس الموروث.

ولم يفاجأ المثقفون مما جاء في ثنايا تقرير التنمية البشرية لهذا العام الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الذي جاء بعنوان (نهضة الجنوب تقدم بشري في عالم متنوع)، لاسيما وأن النخبة على علم مستدام ومعرفة مستقرة بأن الجنوب في حالة مخاض مستمرة ورغم أنه يمر بطيئاً بالحياة إلا أنه الأكثر ثباتاً والأسعد تطبيقاً بالقانون العرفي، والبيئة الهادئة التي لا تكترث بجنون التغيير الذي يحيط بالكون.

وإذا كان العالم كله في حرب ضروس مع البطالة والحصول على المال وتخطي عقبات الفقر، فإن الجنوب يرى المعركة بفلسفة استثنائية، فهو يقر حقيقة أن الحرب ضد الفقر لا تكون إلا من خلال التعليم، لذا نجد حرص الآباء والأجداد على تعليم أبنائهم وأحفادهم هو معركة بقاء لهم أنفسهم في المقام الأول، وأن التعليم هو بوابة سحرية لسبر أغوار العالم المغاير لطبيعة الجنوب لذا فهم في حرص رائع على التماس أسباب الحضارة مع اليقين بضرورة الماضي وأهميته.

وإذا كان تقرير البرنامج الإنمائي يشير إلى نهضة الجنوب التي مفادها التنوع والتعدد الثقافي مع الاحتفاظ بالهوية الأم، فإن هناك ثمة عوامل هي التي تحفظ لهذا الجنوب تنوعه أولاً وتفرده وتميزه الذي يعد استثنائياً، من أبرز تلك العوامل عدم اتباع السياسات الجاهزة المقدمة من الأنظمة الحاكمة، فللجنوب أعرافه وتقاليده السياسية، وهذه الأعراف لا يمككنا القول بإنها في قوة القانون الرسمي لأية دولة، بل هي أقوى من نصوص القانون ومواد الدستور نفسها، وربما حرص أبناء الجنوب على الالتزام بأعراف وقوانين الأجداد هو الذي ضمن لهذه البيئات الاستقرار السياسي والثبات الاجتماعي على مر العصور.

لذا فلن نجد حرجاً إذا أشرنا إلى أن معظم الأنظمة السياسية تطلب ود أهل الجنوب، نجد هذا في الدول العربية، وجنوب أوروبا على سبيل المثال، وقلما نجد دستوراً أو قراراً سيادياً لدولة ما لم يضع شيئاً بسيطاً لأهل الجنوب.

وربما علم الأنظمة السياسية الحاكمة في العالم بسياسات وقوانين وأعراف الجنوب النابعة من ظروف البيئة وتراثها الثقافي هو الذي يدفعها دفعاً لمراعاة البعد الجغرافي والتاريخي لهم.

ولكن رغم أهمية الجنوب وتميزه وتفرده الثقافي وحفاظه الرائع على التقاليد الاجتماعية، هل واكبت هذه الأهمية اهتماماً خاصاً من الحكومات والأنظمة الحاكمة؟

وقد يبدو الكلام الآن مقتصراً على مصر دون غيرها من بلدان العالم، فالجنوب المصري الذي يبدأ جغرافياً من مدينة أسيوط منتهياً بالنوبة الجميلة لم يكن محظوظاً على امتداد الحكومات المتعاقبة بالاهتمام والرعاية والكشف عن سحره وجماله الثقافي.

واكتفت الحكومات بالإشادة بمباني الجنوب، وبموسيقاها، وبالملابس المميزة سواء كانت جلابيب أو أردية بيضاء ناصعة، دون الالتفات إلى ثقافة المواطن الجنوبي وأحلامه وطموحاته وأنه لا يعد كائناً منفصلاً عن الوطن، بل هو جزؤه الأصيل منه، ويكفي أن تعي الأنظمة السياسية إلى اختراق الثقافي للجنوب في كافة أنحاء مصر بخاصة والعالم بصفة عامة.

والمتتبع للمنتج الجنوبي في الخارج يدرك على الفور أن حرص الأجنبي على شراء ما ينتجه الجنوب ليس مجرد هواية أو رغبة في اقتناء شيء دخيل، بل بسؤالهم تتبين حقيقة أن رغبة الشراء هي رغبة معرفة ومحاولة جادة في التقاط تفاصيل أكثر دقة عن الثقافة التي أنتجت هذه المصنوعات.

ويعد الملمح الأبرز في ثقافة الجنوب التسامح، والتسامح في الجنوب ثقافة ولغة وموسيقى وملابس سمحة، لكن المعالجة الرسمية لتلك الملامح باتت مكرورة وباهتة تمثلت في المسابقات الثقافية عن هذا الجزء الجغرافي، أو تصوير المطربين لأغنياتهم في مناطق النوبة، أو التقاط بعض المشاهد التمثيلية بها.

الجنوب ليس بحاجة إلى تعاطف بقدر ما هو بحاجة إلى مزيد من مساحات للتسامح والاعتراف الرسمي بثقافاته وهويته.

د. بليغ حمدي إسماعيل

Bacel.21@live.com