قناع الدين والسياسة يسقط في 'الرهيب'

'الظلم يؤذن بخراب العمران'

تونس - تستمد المسرحية التاريخية التونسية "الرهيب" جذورها من عصور سالفة ولكنها صالحة لكل زمان ومكان بما انها تسلط الضوء على الحاكم المستبد في تاريخنا العربي وحاضرنا المعاصر والحاشية الفاسدة التي تزيده طغيانا وظلما.

وتصور "الرهيب" التي تعرض حاليا في ايام قرطاج المسرحية واقع يتحوّل حيث تختلف وجوه الحكام المستبدين فيه ولكن نفس السلوك يتكرر.

العمل مهم بكلّ المقاييس، من حيث النص الذي كُتب بعربية سليمة وسلسة، والعدد الكبير نسبيّاً للممثلين الذين جعلوا من المسرح كرنفالاً من الحركة، والذين أقنعوا في الأداء، خصوصاً على مستوى النطق أو الحركة. وتبرز أهمية "الرهيب" من خلال موضوعها، الذي يحاكي تماماً ما نعيشه اليوم في عدد من البلاد العربية، خصوصاً تونس، مع فارق في بعض الجزئيات، من تداخل بين السياسي والديني وارتداء أقنعة الدين للوصول إلى الحكم ومن ثمَّ الانقلاب تماماً وظهور الوجه المستبدّ.

و"الرهيب" تسمية اطلقها الايطاليون على الحاكم بأمر افريقية ابراهيم بن الاغلب.

وانطلق المخرج التونسي منير العرقي من نص للروائي التونسي عبدالقادر اللطيفي في اول تجربة له في الكتابة المسرحية وقد اختار فريق عمل يصل الى الثلاثين عنصرا بين ممثلين وتقنيين وممثلين من ابرزهم الممثلين التونسيين البشير الغرياني وصلاح مصدق وجمال المداني وحليمة داود وفوزية ثابت.

وابدع الممثل التونسي بشير الغرياني في تقديم شخصية مركبة اعتمد فيها كثيراً على الحركة الهستيرية وعلى صوته بدرجات مختلفة وعلى تعابير وجهه، فكان الأداء مميّزاً لدرجة إقناع المتلقّي أنّه فعلاً إبراهيم بن الأغلب.

وأن يمثّل الرهيب واقعاً عربيّاً وتحديداً واقع تونس اليوم، فهو أمر منطقيّ جداً ومنتظر، نظراً لما يلفّ المرحلتين رغم التباعد الزمني الكبير بينهما من لعــب على أوتار المشاعر الدينية وارتداء أقنـــعة يلوّنها الورع والتقوى والخوف من الله، ولكن أيّ خوف هذا الذي يحلّل الإذلال والتفقير وتجويع الشعب.

وتعود المسرحية التاريخية الى الزمن البعيد حيث طلب جمع من أجلاء القيروان وسادتها من واليها ابراهيم الثاني المعروف بتدينه وتقواه أن يخلف أخاه في الحكم بعد وفاته ولكنه رفض ذلك متعللا بمبايعة ابن أخيه فألحت عليه خاصة القيروان فقبل الإمارة على مضض.

ومع فجر أول يوم تولى فيه الإمارة بدأ بسفك دماء من عارض بيعته من موالي ابن أخيه وانطلق في البطش بالرعية التي ثارت تحت اسم"انتفاضة الجياع" كما لم يسلم من أذاه حتى المقربين منهم مثل بناته وخدمه وعائلته لكونه كان حاكما مهووسا بالسلطة والدماء.

ويذكر ان عهد ابراهيم الثاني تم خلاله فتح صقلية وحققت الدولة نصيبا من الرخاء لكن لم يحل ذلك من انتفاض عدة مدن ضده وخاصة البربر.

من هنا تبدأ ملامح الحكاية تتوضّح، فسحر الكرسي والمنصب وما فيهما من جاه وسلطان ومال ونفوذ، غلبا ورع الرجل وخشيته من الله، وحوّله الجشع السياسي إلى مستبدّ ظالم لا يتورّع عن سحق كل ما يمكن أن يعطّل المسار الذي رسمه لحكمه أو ينغّص عليه سكينة عرشه.

ويتضح الإسقاط التاريخي لهذا العمل على الواقع التونسي اليوم جليا والذي يظهر في فترة مفصلية من تاريخ تونس التي تطمح الى بناء ديمقراطية مازالت متعثرة.

ويتنامى السخط الشعبي على حركة النهضة الاسلامية العاجزة عن توفير الامن والسلم والكرامة والشغل للتونسيين بعد حكمها البلاد اثر هروب الرئيس التونسي السابق زين العابدين بن علي الى السعودية على خلفية ثورة شعبية جارفة اطاحت به

وبعثت المسرحية رسالة واضحة من خلال المقولة الشهيرة لابن خلدون "الظلم مؤذن بخراب العمران" فالاستبداد بلا مستقبل، ومهما اشتدت قبضة الحاكم لابد ان تنصر الشعوب.

وقال المخرج التونسي منير العرقي ان المسرحية تسلط الضوء على فساد الحاكم وحاشيته في المقام الاول.

وانتقل الى وصف الحاشية التي تحيط بالملك في كل زمان ومكان لها حيث ان لها مصالح تعمل على الحفاظ عليها، وثمة تخطيط مسبق سواء في التاريخ او الحاضر حتى تحافظ الحاشية على امتيازاتها.

وتدفع الحاشية التي تقيم عادة في الزاوية الخلفية ووراء الستار بالامير الى التعذيب والبطش والنقمة في حين تحقق هي مصالحها المادية وامتيازاتها.

ومن خلال "الرهيب" يستطيع عشاق رابع الفنون الاستمتاع بمسرح كلاسيكي جاد وبتقنيات ركحية وإضاءة محترفة.

ويكشف النص لصاحبه عبدالقادر اللطيفي عن رؤية تاريخية مميزة لمسيرة حاكم عاش بجبورته وطغيانه وسلطته المستمدة من الدين ليعيث في الدنيا فسادا بقتل كل معارضيه وسفك دماء كل من حارب سلطته او انتقده في تسيير الحكم.

وتلخص حياة متجبر باسم الدين ولتكون نهايته معروفة بانقلاب السحر على الساحر ويخسر كل ما كان يحاول الحفاظ عليه.

ودعت أحزاب المعارضة التونسيين إلى النزول للشوارع لإسقاط حكومة الإسلاميين يوم 15 نوفمبر/تشرين الثاني وهو التاريخ المحدد لإعلان استقالتها وفق خارطة الطريق التي يرعاها "رباعي الوساطة" لإخراج البلاد من الأزمة الخانقة التي تتخبط فيها مند أكثر من شهرين.

اعداد: لمياء ورغي