بنغازي الليبية 'تنعم' بالرفاه والفوضى

ازدهار في انتظار الاستقرار

يعرض الباعة ملابس ايطالية أنيقة للرجال ويعج مطعم مجاور للأطعمة السريعة بالزبائن بينما توجد في متجر قريب للملابس الرياضية الألمانية أحدث أحذية الركض.

كان يمكن أن يشبه هذا المشهد وسط مدينة نيويورك او ميلانو لولا المعارك بالأسلحة النارية وتفجيرات السيارات الملغومة من حين لآخر والمقاتلون الإسلاميون الذين يشهرون بنادقهم وينشرون فكرهم المتشدد.

في مدينة بنغازي بشرق ليبيا تزدهر الميليشيات المنتشرة في معظم أنحاء البلاد كما توجد طفرة في مبيعات الماركات الغربية التي تقبل عليها الطبقة الغنية بالمدينة.

وتجسد ثاني اكبر مدينة في ليبيا كل المشاكل التي تعانيها البلاد وحكومتها المركزية منذ الإطاحة بالزعيم السابق معمر القذافي عام 2011.

وليس لحكومة طرابلس سلطة تذكر على المدينة ويقيم أفراد ميليشيات وإسلاميون نقاط تفتيش خاصة يرفعون عليها في كثير من الأحيان أعلام تنظيم القاعدة السوداء. وقتل السفير الأميركي هنا في هجوم نفذه إسلاميون على القنصلية الأميركية في سبتمبر/ ايلول 2012.

وبنغازي مركز لحركة تسعى للحصول على الحكم الذاتي ترفض سلطة الحكومة المركزية في طرابلس وتسيطر على الموانيء الشرقية لتمنع نحو نصف صادرات ليبيا عضو منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) في مسعى لمزيد من الاستقلالية.

لكن هذه الفوضى لم تحل دون افتتاح متاجر تبيع سلعا باهظة الثمن ومركز تجاري من ثلاثة طوابق. وكان شارع فينيسيا كما يطلق عليه السكان شارعا خلفيا كئيبا. ومنذ عام حوله أصحاب متاجر فاخرة الى شارع تجاري مزدحم.

وقال محمد لارا الرئيس التنفيذي لشركة لبيع العطور لها متجران في بنغازي وتعتزم افتتاح ثالث إن الناس أصبحوا "يملكون أموالا اكثر من التي كانت لديهم في عهد القذافي لهذا أصبحت التجارة ممتازة."

وأضاف أن الزبائن متعطشون للسلع الفاخرة لأن التسوق في عهد القذافي تأثر بالقيود الحكومية والعقوبات. وكانت الأسواق الحكومية في عهده تبيع كل شيء بدءا بالشوكولاتة المصنوعة في تركيا وانتهاء بالجوارب الصينية لتغطية الاحتياجات الأساسية، لكن السلع عالية الجودة لم تكن في متناول الأغلبية الذين كانوا يعيشون على رواتب الوظائف الحكومية.

وعلى الرغم من الفوضى وتدهور الخدمات العامة فإن الوضع المالي لليبيين الآن أفضل. زاد القذافي رواتب العاملين بالقطاع العام قبل الانتفاضة - التي دعمها حلف شمال الاطلسي بشكل مباشر - في محاولة يائسة لتخفيف حدة الاستياء.

وتسعى الحكومة الجديدة جاهدة لبسط سيطرتها على دولة شاسعة مازالت تزخر بالسلاح فأبقت على زيادة الرواتب وقدمت المزيد من المزايا التي لم تقتصر على الموظفين الحكوميين.

وفي العام الحالي رفعت رواتب العاملين في قطاع النفط بنسبة 67 في المئة محاولة فيما يبدو إنهاء الاحتجاجات في مرافيء التصدير.

ويذهب نصف ميزانية الدولة التي تبلغ 54 مليار دولار للرواتب الحكومية والدعم على كافة السلع بدءا بالخبز وانتهاء بالبنزين والرعاية الصحية وتذاكر الطيران لاسعاد المواطنين.

وقال غانم شيخي وهو شريك في مركز تجاري ويملك عددا من متاجر الملابس وألعاب الكمبيوتر والأطعمة السريعة "أطور متاجر الملابس التي أملكها من الملابس الصينية الى الماركات الأوروبية المعروفة لأنني ألاحظ طلبا على المنتجات عالية الجودة."

ويشهد قطاع السفر ازدهارا. ويقول قيس البقشيشي الذي يرأس منظمة تساعد السلطات المحلية في استقطاب الشركات الأجنبية إن حركة النقل الجوي المحلية ارتفعت الى 1.8 مليون راكب سنويا مقارنة بنحو 800 الف في عهد القذافي.

وتتوافد على مطار بنغازي الصغير الذي يوجد به مبنيان يعودان الى ما قبل عهد القذافي طائرات تابعة لشركات مثل الخطوط الجوية التركية ومصر للطيران.

عقود من الإهمال

أهمل القذافي بنغازي التي يسكنها مليون نسمة تقريبا على مدى عقود وكان يضمر ضغينة ضد المنطقة الواقعة في شرق البلاد المعروفة باسم برقة مهد الانتفاضة.

وعلى الرغم من أن الشرق يجلس على 60 في المئة من ثروة ليبيا النفطية فإن مباني بنغازي متهالكة. وتظهر التلفيات على الكثير من المباني التي أقيمت في حقبة الاستعمار الإيطالي من جراء الغارات الجوية في الحرب العالمية الثانية.

ولم تبذل حكومة طرابلس التي تعيقها الصراعات الداخلية والميليشيات الرافضة للتخلي عن أسلحتها جهدا يذكر لتحسين الخدمات العامة. ولم تجدد المستشفيات والمدارس والجامعات القديمة بعد. وفي الليل تنير واجهات المتاجر المضيئة الشوارع وليس أعمدة الإنارة.

أذكى هذا دعوات لمزيد من الاستقلال عن طرابلس في إطار نظام اتحادي لاقتسام الثروة والسلطة يستند الى تقسيمات ما بعد الاستعمار وهي منطقة برقة في الشرق وفزان في الجنوب وطرابلس في الغرب.

وتكونت حركة في برقة بالفعل أنشأت إدارة ومؤسسة نفطية للمنطقة. وسيطر محتجون على موانيء نفطية في الشرق على مدى أشهر. ولم يتأكد بعد حجم الحكم الذاتي الذي يستطيعون ممارسته فعليا.

وقال البقشيشي إن هناك مشاكل كثيرة مع الحكومة المركزية وأضاف أنه يجب اللجوء لطرابلس لإتمام اي مشروع.

واذا كانت هناك تنمية في بنغازي فإن مصدرها القطاع الخاص مثل الشركات الصينية التي تخطط لبناء 20 الف وحدة سكنية. ويجري إقامة أربعة مشاريع سكنية كبيرة وثمانية أبراج كما تخطط شركة تركية لإنشاء جامعة أمريكية على غرار الموجودة في القاهرة او بيروت.

ترف غير مضمون العواقب

تظل اكبر عقبة في بنغازي انعدام الأمن. تنتشر حوادث خطف السيارات على نطاق واسع وتشيع اغتيالات ضباط الجيش والشرطة.

وتثير مظاهر الترف الجديدة اهتماما غير محمود العواقب. حين هاجمت عصابة مسلحة متجرا للعطور ألقى بعض السكان باللوم على إسلاميين متشددين يحرمون أدوات الزينة.

وقال لارا تاجر العطور في مكتبه ببرج شاهق في وسط بنغازي "يمكن أن نشهد نموا في العام الحالي والقادم وربما لثلاثة أعوام ولكن ماذا بعد ذلك؟"

وتحاول منظمة البقشيشي إقناع المستثمرين بالمجيء من خلال ضمان حمايتهم.

وقال إنه كانت هناك شركة تركية تخشى الحضور وطلبت التأمين وهي موجودة منذ ثلاثة اشهر والأمور تسير على ما يرام.

ويرحب اسلاميون علنا بالطفرة في المتاجر ويقولون إنهم يرفضون العنف. وذكروا أنهم يحترمون معتقدات الآخرين لكنهم لمحوا الى أنهم يستطيعون إظهار من بيده السلطة اذا كانوا غير راضين عن اتجاه بنغازي.

وقال محمد الزليتني المتحدث باسم جماعة اسلامية محلية تسعى لتطبيق الشريعة إن مشكلتهم الوحيدة تكمن في مخالفة الشريعة مثل الفوائد على الأموال في البنوك او الخمور او الأماكن المخلة بالآداب. وأضاف أنهم لو أرادوا حقا تطبيق الشريعة الإسلامية على الليبيين فإنهم يستطيعون تنفيذ ذلك بالقوة.