المفاوضات الفلسطينية

تعود المفاوضات اليوم إلى الواجهة الإعلامية لتحتل الصدارة السياسية بعد حراك دبلوماسي من ادارة الرئيس اوباما ووزير خارجيته جون كيري بطريقة غير معهودة وخاصة بظل الحدث التغيرات الجديدة على المشهد السياسي التغيرات العربية بظل ثورات الربيع العربي وانهيار معسكر الممانعة الذي يبعد شبح إيران عن المشهد. بعد 22عاماً على مفاوضات مدريد، و18 سنة من أوسلو، لم يتحقق السلام "الذي كان شرطه الأساسي الأرض مقابل السلام"، فهل فشلت عملية السلام في الشرق الأوسط التي توقفت طوال عامين ونصف بعد سيطرة نتنياهو وتكتله المتطرف على سياسة إسرائيل.

فالسلام نية، وحسب قوله تعالى "يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة"، والنية الحقيقية، عند العرب للسلام، منذ عام 1917 حتى اليوم سنجد أن العرب هم الذين سعَوا للسلام، حتى عبدالناصر كان يسعى للسلام وجاء بمناصري السلام اليهود المصريين وأرسلهم إلى فرنسا للقاء مناصري سلام إسرائيليين، وكان يريد أن يأتيه إلى القاهرة وفد من المؤتمر اليهودي العالمي لكي يفاوضه بالسلام. ولكن غولدا مائير هي التي منعت، ففي كل محطات التاريخ تبيّن أن إسرائيل، هي التي كانت تمنع السلام وليس العرب، وأيضاً تجربة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، مع محيطه والسعي الحقيقي للسلام، فعلى الشعب الإسرائيلي والقادة، إن يعرفوا ويعوا جيدا، ان لا سلام دون إقامة دولة فلسطينية تتضمن القدس واللاجئين وحدود عام 1967، وخاصة بظل التغيرات التي حصلت في العالم العربي وسيطرة الشعوب على مقاليد السياسة. فالتعنت والتطرف لن يخدما إسرائيل وقادتها طويلا.

ومن هنا تبرز اهمية المبادرة العربية للسلام التي طرحها العاهل السعودي الملك عبدالله في قمة بيروت عام 2002 والتي تبنتها الدول العربية والإسلامية، في منظمة القمة الإسلامية، في القمة العادية في طهران عام 2003، وتبنت المبادرة بالإجماع، دون اعتراض من دول الممانعة ، ولاتزال المبادرة هامة وحاجة ضرورية لاستكمال عملية السلام بالرغم من التلويح بسحبها عن الطاولة إذا لم تتفاعل إسرائيل معها، ومن هنا جاء ردة فعل الملك عبدالله بإن المبادرة العربية للسلام لن تبقى طويلا على الطاولة. لكن عيبها الوحيد، هو في تسويقها الجيد، عالمياً، من اجل الضغط الدولي عليها، وعدم تحديد سقف زمني للمبادرة، لكي تلتزم إسرائيل والعالم بتطبيقها .

فإن أسلوب التطرف والتعنت المتبع في السياسة الإسرائيلية، لن يحقق شيئا، ولن يصل إلى حل، فإن إسرائيل تسارع إلى تهويد القدس وقضم أجزاء من المسجد الأقصى، والمزيد من هدم المنازل العربية، في القدس، والحفر المستمر، من أجل إيجاد معلومة تاريخية تأكد هوية إسرائيل التاريخية، وبناء المستوطنات اليهودية في عملية تقطيع الأراضي الفلسطينية، التي يجب أن تبنى عليها الدولة المستقبلية. فإن هذا الوضع لا يحل المسائل المختلف عليها اليوم ، لقد اثبتت الحرب الأخيرة التي خاضتها إسرائيل، وما أفرزت من نتائج في المجتمع الإسرائيلي والفلسطيني، معاً تدل على مدى عمق الفشل التي وصلت إليه عملية السلام، والتي تأكده يوما بعد يوم، الحرب الاقتصادية ضد الفلسطينيين وسياسة التجويع المستمرة، والمجازر اليومية، بحق الشعب الفلسطيني.

-إسرائيلياً، إن وصول قيادة إسرائيل ضعيفة إلى السلطة، لم تستطع متابعة عملية السلام، والتي انتهت بها الأمر، بحرب مدمرة، للشعب الفلسطيني، فالانتخابات الجديدة، في داخل المجتمع اليهودي، والتي أفرزت قيادة جديدة، متطرفة، يعتبر فيها بنيامين نتنياهو المعتدل الوحيد، وسط هذا التطرف الكبير داخل المجتمع الإسرائيلي واتساع الهوة السياسية في الوسط الإسرائيلي، ما هي إلا دليل جديد على إن الشعب الإسرائيلي نفسه غير جاهز لتقبل فكرة السلام والعمل على تطبيقها، بسب اختياره للتطرف وخلافاته الحادة، فان فريق نتنياهو استطاع أخذ إسرائيل أكثر نحو اليمين وأبعدها كلياً عن أي إمكان للتوصل إلى السلام الحقيقي، بالرغم من ذهاب تسيبي ليفني للمفاوضات لكن أمال النجاح محدودة. فإذا لم تحصل تغيرات حقيقية وجذرية في داخل المجتمع الإسرائيلي، لتسويق فكرة السلام، من خلال قادة قادريين على كبح التطرف والتعصب اليهودي فإنه لا أمل بحل، لأن الهدف الإسرائيلي الأساسي هو إضعاف السلطة الفلسطينية، وشل حركة حماس من اجل تغييب الشريك الفلسطيني عن متابعة المفاوضات، وهذا ما تعلنه القيادة الصهيونية يوميا، يغيب الشريك الفلسطيني الحقيقي الذي يتبع سير المفاوضات، فوجود سلطتين فلسطينيتين يساعد، الدعاية الإسرائيلية، التي تهدف إلى تجويف عملية السلام من مضمونها الأساسي في إقامة دولة فلسطينية مستقلة.

- فلسطينياً، أمام هذا الاستفحال الصهيوني لم تجد سلطة رام الله في يدها، من وسائل للرد، سوى الاحتجاج والامتناع عن العودة إلى طاولة المفاوضات طوال الفترة الماضية فلم تنجح بكبح الاستيطان أو أي شيء أخر، لان الخلافات الداخلية بين حركتي فتح وحماس قضت على آمال الفلسطينيين في التوصل إلى دولة مستقلة خاصة بهم وخاصة بعد الاعتراف الدولي بعضوية فلسطين كعضو مراقب في الأمم المتحدة بالرغم من الاعتراض الأميركي. فهم ما يزالون يتقاتلون فيما بينهم وكأنهم غير واعين بأن قضيتهم تضمحل أمام أعينهم. لقد أدى هذا الانشقاق بين الفصيلين إلى دمار الفلسطينيين بشكل لا سابق له منذ بداية موجهاتهم التاريخية مع الصهاينة. لقد أصبح الخلاف الفلسطيني سيد الموقف، والصراع على السلطة هو الطاغي على جميع الأوراق التي فقدت للضغط على متابعة سير عملية السلام المقبلة.

- عربياً، ساد جو المحاور والانقسامات العربية – العربية، من خلال الصراعات الداخلية الذي تعاني منها الانظمة العربية الرسمية. ليسيطر الحراك العربي على اغلب الدول العربية التي دخلت في خلاف داخلي حاد، لان الشعوب العربية تعاني من مشاكل شتى ابتداءً من الجوع والفقر وانتهاءً بالديمقراطية، والحرية والتي أصبحت على مسافة شاسعة بينها وبين أنظمتها، مما اضعف التضامن العربي والتكاتف والضغط على المجتمع الدولي للمضي بتطبيق مبادرة السلام العربية.

-أميركيا، لقد وصلت الأزمة إلى ذروتها من خلال سياسة بوش الابن في إيصال عملية السلام الى مرحلة التأزم من خلال (الدعم الأميركي المطلق) لإسرائيل، والذي وفر لها خياراً إستراتيجياً تراوغ وتتعنت في إكمال سياسة المفوضات مع الفلسطينيين، عوضاً عن جعلها عنصراً مقبولا في الوسط العربي، بناءً على دعم عملية السلام الهادفة إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة، وقابلة للحياة بجوار دولة إسرائيل، وإنهاء سنوات طويلة من النزاع الفلسطيني – الصهيوني. فان مسيرة أنابلوليس اليتيمة، لم يكتب لها النجاح سابقا، والتي انهارت نهاية 2008 نتيجة حرب غزة ومن جراء أسباب أخرى. فالمسار الجديد الذي انتهجه باراك أوباما قبل سنة من تسلمه زمام السلطة في الولايات المتحدة جاء بتبنيه فكرة قيام الدولة الفلسطينية، لإصلاح نهج بوش، فالتصريحات الأميركية التي توالت فيما بعد لمواكبة نهج أوباما، حول تسوية الصراع العربي- الإسرائيلي، والجهود الدبلوماسية المكوكية لم تفلح بتحقيق إي اختراق يذكر، فالجولة الجديدة التي تقوم بين الإطراف المتنازعة والتي تدفع بها إدارة اوباما من تحريك في المسار السياسي للتسوية ربما من اجل تسليط ضوء اسرائيل على حقيقة التغيرات العربية الجديدة وخاصة في العديد من الأنظمة.

- والنقطة الأخيرة التي ساهمت في إجهاض عملية السلام، هو دخول العامل إلايراني بقوة على خط المنطقة العربية، وبشكل مباشر من خلال الإمساك بملفات إستراتيجية (لبنان، فلسطين، العراق، السودان، وسوريا الخ...)، واللعب على الخلاف العربي – العربي من أجل تحسين شروطه في المفاوضات الذي يخوضها مع الغرب من أجل الحصول على قوة نفوذ لها على الخارطة السياسية العربية، إيران التي استخدمت الخيط الذي يكوي قلب المسلمين والعرب (القضية الفلسطينية) كعلاقة مفاتيح؟ ومن ناحية أخرى فإنها تستعمل الخلاف العربي الداخلي المتمثل بين الشعوب العربية وأنظمتها، والخلاف المذهبي بين المسلمين، من أجل إحراج الجميع مما أعطى مبررا إضافياً لإسرائيل ولأميركا في عدم المضي في عملية السلام.

ان أي اتفاق وأي مبادرات دولية لا تحمل في طياتها العناوين الهامة والأمور العملية الداعمة للسلطة الفلسطينية من أجل تحقيق إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة في جناحي الوطن (الضفة الغربية وغزة)، ومن أجل تحقيق سلام شامل وعادل ودائم بالمنطقة أيضا، على مرجعية القرارات الدولية، والتي ينبغي أن تقوم على تسوية دائمة وعادلة للصراع، على أساس المبادئ التي تم الاتفاق عليها في مدريد، بما في ذلك مبدأ الأرض مقابل السلام، وقرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة أرقام 242 و338 و1397 و1515، إلى جانب مبادرة السلام العربية، وخطة خارطة الطريق، والاتفاقات السابقة التي تم إبرامها بين الأطراف المعنية، أي السلطة الوطنية الفلسطينية وإسرائيل سيكون مصيرها الفشل. وعلى الدول الراعية لعملية السلام بما فيها الدول الأوروبية لاحقاً دعم مؤسسات هذه الدولة المستقلة، في كافة المجالات، لتغير حياة الفلسطينيين مما يساهم ببناء مشروع سياسي واجتماعي ومؤسساتي في المجتمع الفلسطيني يخفف من كل القيود المفروضة بما فيها قيود السلطة، والعمل على دعم المفاوضات بين الجانبين، وما يتمخض عنها، دون التدخل من جانبها، بما يتفق عليه الطرفان الفلسطيني - الإسرائيلي.

فإذا لم يكتب النجاح لإعادة إحياء عملية السلام من خلال التكاتف العربي والإسلامي من أجل الضغط الدولي، سوف تعمل إسرائيل على تنفيذ المخطط الرهيب الذي يرسم للمنطقة حسبما يحكى خلف الكواليس، في تصفية القضية الفلسطينية نهائياً وليس تسويتها، بحيث تبقى يد إسرائيل هي العليا في منطقة الشرق الأوسط، ويتم طرد الفلسطينيين من ديارهم، وإلحاقهم، بكل من مصر والمملكة الأردنية، كما كان عليه الوضع قبل 5 من يونيو حزيران عام 1967م، ومن هنا نرى الخوف المصري والعربي/العروبي من محاولة تحويل فتح بوابة رفح الحدودية، تنفيذاً للمشروع الإسرائيلي المذكور والتخلي الصهيوني عن الواجب، الدولي، باتجاه الفلسطينيين، كسلطة احتلال للقطاع وتحميل المسؤولية الكلية لمصر. أما قضية اللاجئين، فسوف يتم حلها على أساس التعويض، من خلال إنشاء صندوق عربي – دولي لتعويض من يقبل من اللاجئين عن ممتلكاتهم وأراضيهم، وسيتم ترحيل فلسطينيي لبنان إلى دول أوروبية بعد التفاهم مع هذه الدول وبعد تعويضهم أيضاً، سيبقى الفلسطينيون في المهاجر كما هم عليه، وستبقى المقدسات الإسلامية في مدينة القدس تحت حماية السلطات الأردنية كما هي عليه الآن، دون أي سيطرة على أي أجزاء منها، وسيقبل بوجود أقليات فلسطينية محيطة بالحرم القدسي الشريف.

وعلى ضوء هذا التصور، وما رشح منه في الإعلام يكون قد تم تصفية القضية الفلسطينية وليس حلها، وستنام هذه القضية عشرات أخرى من السنين قبل أن تظهر على السطح مرة أخرى، وهذا ايضاً مرتهن بموازين القوى فلسطينياً وعربياً ودولياً، وكما يقول المثل الفلسطيني: بكرة يذوب الثلج ويبان المرج.