دول الخليج: تنظيم القاعدة الخطر الأول

أحداث سوريا أعادتها إلى الواجهة

رياح التغيير التي هبّت على المنطقة مع «الربيع العربي» دفنت ما كان قد تبقى من تنظيم «القاعدة»، لدرجة أن حدثاً كمقتل مؤسس التنظيم مرّ كأنه حادث دهس رجل عادي، لكن أحداث سوريا أعادت الروح إلى التنظيم وارتفعت أصوات تحييه وهو ينفض الغبار عنه ويتحرك صوب سوريا، بزعم وقوفه إلى جانب السوريين في ثورتهم ضد نظامهم والقوى الطائفية التي تقاتل معه.

هكذا وجدت «القاعدة» ممثلة في «جبهة النصرة»، وفي فترة لاحقة ممثلة في الدولة الإسلامية في العراق والشام المعروفة بـ«داعش»، تعاطفاً وتأييداً، وأحياناً معاونة بالمال والسلاح، من البعض بعد أن وجدوا تكالب القوى الطائفية على الشعب السوري، ولاحظوا التخاذل الدولي عن نجدة ذلك الشعب، وسمعوا كالعادة الجعجعة العربية الرسمية، مضافة إليها الجعجعة الأردوجانية هذه المرة، وأصبح الحديث عن خطورة «القاعدة» يوحي بتأييد نظام الأسد.

ورغم أن فضائح «القاعدة» بدأت تظهر في سوريا، فعدا عن الخلافات بين «النصرة» و«داعش»، وتدخل الظواهري أخيراً لصالح الأولى معتبراً إياها فرع التنظيم في سوريا، وإلغاءه الثانية برسالة «فاكس»، هذا عدا الحديث عن دور المخابرات الإيرانية والسورية في كل ذلك، فإن أي عاقل يدرك أنه بين الخطورة والتهديد الذي تشكله تلك الخطورة علاقة طردية، فكلما زادت الخطورة، زاد التهديد، ومن يمشي على قدميه في البريّة، فإن الضباع تشكل له تهديداً قاتلاً، بينما الذي يتجول فيها بسيارة، فإن تهديد الضباع يزول ليأتي تهديد الثعابين التي يمكن أن تتسلل إلى داخل السيارة.

الغضب مما يحدث في سوريا ينبغي ألا يفقدنا الحكمة، ومن المهم التذكير بأنه يمكن ضبط درجة التهديد بين دولة وأخرى، ويمكن التعايش مع ذلك التهديد، والحد من خطورته بطرق دبلوماسية وأمنية وعسكرية واقتصادية، بينما الأمر ليس كذلك بين الدول التي تحترم نفسها وبين الجماعات العقائدية.

تبقى «القاعدة» أخطر تهديد تواجهه الدول الخليجية، فهي قبل كل شيء فكرة أو عقيدة تستطيع، واستطاعت أحياناً، التغلغل إلى داخل البيوت مع وجود بعض القواسم الدينية المشتركة، ووجود بعض الأعداء المشتركين، بينما استطاع شعب مغلوب على أمره كالشعب الفيتنامي تلقين القوة الأميركية العاتية درساً لا يُنسى، ولم تستطع القوة الإسرائيلية كسر عزيمة الشعب الفلسطيني على مرّ الأجيال، بينما استطاعت فكرة «فتح» وفكرة «حماس» شق صفوفه، مثلما استطاعت إيران التغلغل في العراق بواسطة الفكر الطائفي.

وخطورة «القاعدة» على دول الخليج تتجلى أيضاً في أن من يلتحقون بها وتسوقهم قياداتها إلى مناطق الصراع، يعودون -في حال لم يلقوا حتفهم- إلى مجتمعاتهم لتُبتلى بهم وبأفكارهم المجنونة.

وللكاتب المصري علي سالم عبارة تصلح أن تكون معياراً لخطورة الأعداء، فهو يقول: «إن أخطر عدو في الدنيا هو ذلك الذي لا حيثية له، ولا مصالح له عند أحد، ولا مصالح لأحد عنده، ولا توجد طريقة ترشيه بها، ولا أخرى تخيفه بها، كما أنه ليس لديه قيم عليا تلتقي معه عندها».

ومثل هذا الوصف لا ينطبق على دولة أو جهة كما ينطبق على «القاعدة»، فهل يمكن مثلاً الضغط دبلوماسياً على جماعة يعيش زعيمها في كهف؟! وهل يتصوّر إمكانية مقاطعة البضائع التي تنتجها «القاعدة»، أو التلويح بإبعاد رعاياها؟! وهل يمكن اللجوء إلى أطراف محايدة ومحاولة الوصول إلى صيغة من التفاهم مع شخص مثل الظواهري؟! ومن يضمن التزام شخص -لا عنوان له- بأي شيء؟!

أحمد أميري

كاتب إماراتي