جاران عدوان يستهلكان أنفاس العرب

ايران وتركيا، جارتان للعرب. عبر التاريخ لم تكن تلك الجيرة من النوع الحسن.

لم يكن عداؤهما للعرب من النوع الذي يمكن أن يُدجن، أو تذهب مجاري التاريخ به إلى مصبات النسيان. لا بسبب أن العرب لا ينسون ما أرتكبته أمتا العجم وعثمان من مجازر بحقهم ولا بسبب المآسي التي لا يزال يعيشها العرب وهي من تراث الامتين الفارسية والعثمانية، بل لأن ايران وتركيا قد ورثتا كل طموحات امبراطورتين عفا عليهما الزمن.

وهو ما يدفعهما إلى أن يكونا عدوين، بعضهما لا يضمر إلا الشر للبعض الآخر.

غير أنهما شاءتا أن تتقيا اضرار ذلك الشر، عن طريق لجوئهما إلى تصفية حساباتهما عن طريق جيرانهما العرب، اما على أرضهم أو من خلال ناسهم.

التاريخ يخبرنا عن وقائع مريرة عاشها العراقيون ولم يكونوا طرفا فيها. كانوا حطبا متاحا لنار الحرب الايرانية ــ التركية، قبل تأسيس الدولتين الحديثتين.

ولو تركنا التاريخ جانبا والتفتنا إلى الحرب في سوريا. لوجدنا أن العدوين الازليين لا يزالان يملكان القدرة على أن يجعلا العرب يدفعان ثمن عدائهما.

ولم يكن غريبا أن يظهر العدوان القديمان بمسوح جديدة. لقد عرفا عبر التاريخ بدهائهما ومراسهما في اضفاء الطابع المحلي على تسليتهما المريضة التي تتلخص في التفريق بين العربي وأخيه بناء على اختلاف المذاهب الدينية التي اخترعها العرب بأنفسهم، وصار عليهم أن يكونوا العشب اليابس الذي يغذي خلافات الآخرين المذهبية بالمادة التي تجعل لاستمراره معنى من نوع معاصر.

تركيا الاردوغانية صارت تدافع عن الديمقراطية وعن حق الشعب السوري في حياة كريمة، يستحقها فعلا وتليق به. اما ايران الخامنئية (الخمينية بشكل اساس) فقد صارت تدافع عن الدولة الموحدة وعن الاستقرار والسيادة الوطنية في سوريا.

لابد أن يكون الطرفان قد استدعى أحدهما الآخر.

في سوريا كما في العراق كانت ايران موجودة دائما، كذلك تركيا في علاقتها بالبلدين. تحت رماد السياسة كانت هناك نار طائفية، وجدت لها في البلدين الحطب الصالح للاستعمال، والقابل للإشتعال.

سيقال دائما أنه لولا ضعف الوعي السياسي العربي المنحاز لقضايا أمة كانت وسطا بين عدوين، لما استطاع العدوان أن يركبها ظهرها.

وهو قول أثبت صدقيته في العراق، والآن تعيش سوريا نجاحاته بشكل منقطع النظير. لم يقل عرب العراق من قبل وعرب سوريا الآن للجارتين العدوتين "إذهبا وحاربا بعيدا عني"

في العراق وفي سوريا كان هناك دائما شيء ملتبس من ايرانية تسعى إلى الشفاء من التتريك ومن تركية لم تشف من رياء الخلافة العثمانية المعادية للفرس. كما لو أن الاسلام الذي اخترعه العرب قد تحول إلى جريمة قد رتكبت في سهو من الامتين المجاورتين وصار عليهم أن يدفعوا ثمن ارتكابها.

فمن جهتها تشعر تركيا أن حلفاءها في الناتو قد غدروا بها حين سلموا العراق إلى ايران وهي الأحق بالموصل من سواها. في المقابل فان ايران التي مدها الغزو الاميركي للعراق بالمزيد من الثقة بالنفس ترغب في أن تضم سوريا إلى حظيرتها، بعد أن كانت سوريا ممتنعة عن القيام بذلك في ظل نظام، كانت العروبة تشكل عموده الفقري المقدس.

في انهيار العراق وفي خراب سوريا اتيحت للجارتين الفرصة ثانية لتعبير عن رغبتهما في التوسع على حساب العرب. سيكون الحديث الطائفي مناسبة لتزجية الوقت، فالحقيقة تقع في مكان آخر لا يرغب الطرفان متكافلين في الكشف عنه.

لن يقول الايرانيون نحن فرس علانية، بل ينسجون خيوطهم في شرنقة المذهب الشيعي، كذلك الاتراك لن يتركوا أثرا من عثمانيتهم ليدمروا نداءهم المخلص الذي يبشر بسنيتهم.

عرب اليوم يدفعون من غير أن يشعروا ثمن أفول امبراطوريتين: الأولى حطمها الإسلام والثانية لأنها حطمت الإسلام.