التعليق الأبدي للمشاهد البصرية في الذاكرة

انتظار مدفوع الثمن

تسندُ الصور الشعرية بعضها البعض وهو إسناد لا يوحي على الغلق بقدر ما يوحي على التوسع في مُعطيات المعنى ليصل الى الدلالة المقصودة والتي توحي هي الأخرى بالإنفتاح الشامل على مديات بصرية كانت قد رَسَمت أمكنتها ضمن الصراعات الجمعية ذات الوقائع المهمة من جهة وضمن الخاص الشخصي والذي أخفى الشاعر الجزء الأكبر به من الدلالات الرمزية التوقيّة والمكتشفة عبر حاجة النص للمزيد منها والتي تدل على أهم المداخل لِطُرق الإغراء للولوج لعالم الحياة سواء كان ذلك العالمُ أحجارا أو نباتات أو كيانات إنسانية.

وهنا يقوم الشاعر بمداولة هذه الأشياء مداولتها ضمن ماضٍ ما، مداولتها ضمن وظيفة ما، ضمن توقع ظلام أو توقع إشراقة ما، وهذه المداولة تتخذ أحياناً من أساسيات موجودات الطبيعة مرجعية لها وأحيانا من الأشياء التي تظهر ظهورا مفاجئاَ وتشكل سيكولوجية طليقة في مخيلة الشاعر وهنا تتبادل المشاهد الشعرية بعضها البعض في الظهور والغياب بكل ما تحمله المفردة الشعرية من قيمة إثرائية لها ضمن النص الشعري.

ولكون الشاعر يعي تماما أن الإمساك بالقدرة الإطلاقية للقدرات الوصفية يحتاج الى قدر من المواربة يحتاج الى قدر من الإفلات من سيطرة حالة على حالة أُخرى وقد نجح الشاعر تماما في عبور الشكل الخطابي الوصفي حين عَبرَ به الى القصد الخفي عندما تناول في أحد نصوصه الموسومة بـ"الجمال" وهو يتحدث عن فتاة عابرة ليظهرها بكل ماتستحق وليغيبها تماما عبر الزمن وفرعياته وعبر الوجود وضرورياته، وهذا الشكل من تغييب القصد وترحيله للمعنى الآخر هو الآخر ينطبق على نص الشاعر "لقاء خاص مع نفسي".

وبالتأكيد فإن الشاعر قد ترك مساحة خصبة عند الإقتراب من النصين والبحث عن المشتركات ما بينهما، وهنا لابد من التذكير أن البعد الزماني ضمن الحدث المكاني المقترن بإنتاج بعض نصوص هذه المجموعة الشعرية "تموت الزهور تستيقظ الأفكار" للشاعر ياسين طه حافظ هو بعد محدد ومُدرك كونه يقوم على وقائع معروفة حدثت ضمن مرحلة ما وتركت تأثيرها كحالة عامة أو تأثيرها الخاص على القوى الروحية والنفسية للشاعر.

وهنا لابد من القول أن الزمن لديه لدى الشاعر ليس ورقة ثبوتية أو نمطاً إستدلاليا بل شكلا يتقصده ان يكون شكلاً غيرَ مرئيا لتشتيت المطلق من وقائعه وتقديمه بقياس اللغة المختارة ذات الأثر التخيلي العميق والتي لها القدرة على الخروج من قالبها المعتاد والظهور بكامل علاقاتها البنيوية، وأعتقد أن ذلك شكل من أشكال الخروج من الجاهزية المعدة مسبقا أي أن تواصل الإتصال الشفاف بالوقائع وعدم السماح لها ببسط نفوذها داخل النص يعني أن الإشتغال سيتوزع ضمن أوانٍ شعرية مستطرقة بحيث يحس المتلقي أن هناك كفاءة من نوع خاص على صعيد اللغة وكذا كفاءة في عملية التخيل وكذا توزيع الوحدات اللونية والموسيقية وكذا التوزيعات الهرمية للعوارض البصرية.

إن عملية البناء الشعري ضمن هذا الوصف تؤشر أن هناك نشاطاً تراكمياً صاحبَ البناء العمري للشاعر ومما يؤكد ذلك أن المشاهد البصرية ظلت عالقة في الذاكرة منذ الطفولة حتى بلوغ هذه المجموعة الشعرية وكذلك إنساحت فيما أنتجه الشاعر من منتج لاحق ولعل نصه "البيت القديم" ضمن هذه المجموعة الشعرية هو دليل أخر عما فعلته الصور البصرية في الكيان الشعري والكيان الوجودي على صعيد الحضور الإنساني والحضور الشعري أمام ما يمكن ان يبوح به الشاعر أو يتأمله فيما بعد:

لا ، لن أدقَّ البابَ

قد هبطَ الظلام

وهناك ، فوق الروح قد هبط الظلام،

لأمُرَّ في دعةٍ

وأقرؤكَ السلام

يا أيها البيت القديم

ولكي يُغذي ذلك التوارد المرئي ويصنع نمطه العاطفي الخاص به تراه يقترب بإفصاح أكثر وضوحا للتعبير عن حاجته بالإلتصاق بالأشياء الحية وذات الحيوية وهو فعل للإنتماء والتوحد سواء كان من أثر الفعل الذي تركته في نفسه "تينة نهر الشيخ" أم بالأثر الأهم "المدينة التي أرتحلت روحها مثل روحه".

كل ذلك قد هيئا لعملية إستقبال من نوع ما، إستقبال للإنتظار، استقبال للرحيل من خلال نظرة الرحيل للآخر وانتظار مدفوع الثمن للأحزان القادمة والتي يراها الشاعر أبجدية جديدة لخيار أعف وأعمق للتعبير عن الجمال.