ربنا يشفي الكلاب ويضرك يا مرسي!

يقولون في صعيد مصر للشخص الأرعن أو الأحمق الذي لا يمتثل لآداب الحوار أو النقاش ولا يتمتع بأدنى مستويات الحنكة والحكمة والتريث والهدوء، "ربنا يشفي الكلاب ويضرك"، في إشارة لليأس من علاجه، وأن العلاج ينفع الكلاب أما علاجك فلا طائل من ورائه، وهو ما ينطبق تماماً على ما وقع من الرئيس الإخواني المعزول محمد مرسي وعدد من قيادات التنظيم الإخواني في أول جلسة محاكمة لهم بتهمة قتل المتظاهرين في أحداث قصر الاتحادية التي وقعت في 5 ديسمبر 2012، وأسفرت عن سقوط 8 قتلى وعدد من المصابين أمام القصر الجمهوري، والتحريض العلني على ارتكاب تلك الجرائم.

فالرئيس المعزول ما أن دخل إلى مقر المحكمة في أكاديمية الشرطة وقبل أن يتوجه إليه رئيس المحكمة بكلمة واحدة بل قبل أن يجلس، فاجأه بالقول إن ما يحدث الآن هو غطاء للانقلاب العسكري الهدام الخائن المجرم قانوناً، وأحذر الجميع من تبعاته وأربأ بالقضاء المصري العظيم، وأضاف "أنا الرئيس الشرعي"، ثم يشارك بعد ذلك المتهمون معه هتافهم "يسقط حكم العسكر، احنا في دولة مش في معسكر"، وواصل هراءه الأرعن حتى قرر رئيس المحكمة رفع الجلسة مرة تلو الأخر ليجيء قراره بالتأجيل لجلسة 8 يناير 2014.

استهدف الرئيس المعزول وقيادات جماعته الارهابية المحبوسون معه في القفص أن يرسل برسالة لأنصاره في الداخل والخارج أنه ثابت على موقف فاثبتوا، لكنه كعادته أرعن أحمق لا يتحسب لأفعاله وأقواله وحركاته، فشوّه الرسالة ليؤكد خروجه وجماعته من دائرة العقل إلى دائرة الهوس والجنون، فمن سيدعم مجانين يهجسون بعد ثلاثة أشهر تلوثت أيديهم فيها بدماء المصريين في مختلف أرجاء البلاد بكرسي الرئاسة.

إن رعونة الجماعة الارهابية ورئيسها المعزول صوّر لها أن بإمكانها أن تواجه الدولة والشعب، وذلك دون عبرة بالتاريخ، لم تتساءل أنها لم تنجح في مواجهتهما لا في الفترة الملكية ولا الجمهورية، لا قبل ثورة 23 يوليو 1952، ولا بعدها على مدار ما يزيد عن 80 عاما هي عمره منذ التأسيس عام 1928، وأن كل محاولاتها للمواجهة باءت بالفشل، لا لشيء إلا لكونها لا تمتلك أن تكون جزءا من نسيج المجتمع المصري، ومن ثم يتم لفظها كلما حاولت فرض وصايتها عليه، ولنتذكر أنها منذ اليوم الأول لدخولها بأغلبية في أول برلمان بعد ثورة 25 يناير 2011 تم استقبلها بمحاصرة البرلمان ومحاولة منع أعضائها وحلفائهم من دخوله، وأنه وقع حتى حل هذا البرلمان أحداث مجلس الوزراء ومحمد محمود التي وقع خلالها العشرات من القتلى والمئات من المصابين، وأنه منذ تولي رئيسها المعزول الحكم لم تتوقف المظاهرات المناهضة لها وله، حتى صار هتاف "يسقط يسقط حكم المرشد" يتردد على لسان المصريين رجالاً ونساءً وشباباً وأطفالاً بطول مصر وعرضها.

هذه الجريمة التي يحاكم مرسي وعدد من قيادات جماعته بسببها، هزت المجتمع المصري والدولي حيث تناقلت الصحافة المحلية والعربية والعالمية على الهواء ما جرى من هتك وتعذيب وسحل للمعارضين، حيث داهمت مليشيات الجماعة الإخوانية المعتصمين المعترضين على الإعلان الدستوري ومزقت خيامهم ومارست ضدهم كل صنوف الانتهاك فقتلت منهم 8 وأصابت العشرات، في الوقت الذي خرج فيه مرسي على شاشات التليفزيون يحيي هذه المليشيات جماعته محرضاً لها على ارتكاب المزيد ضد معارضيه، وقد استمرت ثلاثة أيام، كما خرج المرشد العام محمد بديع ونائبه المهندس خيرت الشاطر فيما سمي "مؤتمراً صحفياً عالمياً" لكي يدينا المعارضين ويهاجما الجيش والشرطة ويدعيا كذبا وبهتانا أن القتلى هم من مؤيديهم، ويتواصل كذبهما فتقيم الجماعة بأوامرهما جنازة حاشدة في الجامع الأزهر وتتم الصلاة على نعوش فارغة ليخرج بها عقب صلاة الجمعة بمسيرة مناهضة لمحمد البرادعي وحمدين الصباحي والتيارات الليبرالية والعلمانية واليسارية وتؤيد الرئيس في إعلانه الدستوري الذي وصف بعده بالديكتاتور الفرعون.

وإذا أردنا نموذجاً حياً للكذب ـ دون أن نخرج عن السياق ـ فهو د.عبد المنعم أبو الفتوح الذي قال عند وقوع الجريمة 6 ديسمبر 2012 "دماء المصريين التى تراق الآن أمام قصر الرئاسة مسؤولية الرئيس؛ استبدال الأمن بمؤيدي الرئيس انهيار للدولة"، وقال صبيحة يوم المحاكمة ـ 4 نوفمبر 2013 ـ "المصريون الشرفاء ومنهم القضاة يبرأون من المحاكمة الهزلية لأول رئيس منتخب ويلعنون كل من يشارك في إهانة إرادة المصريين".

هكذا فإن مشكلة هذه الجماعة الارهابية وحلفائها من السلفيين والجماعات الجهادية وغيرها ممن ترتدي رداء الدين زوراً وبهتاناً أنها تتخذ الكذب والتدليس والتآمر سبيلاً في كل معاملاتها، أيا ما كانت طبيعة تلك المعاملات، حتى لا يكاد المرء يفرق بين الكذب والصدق من هول ما تتصنعه وتتلبسه وتتقمصه من أكاذيب، كل ما يخرج منها كذب حتى لتكاد لحومها تكذب من فرط جريان الكذب في أجسادهم مجرى الدم، وقد تكشف ذلك للمصريين.

إن ما حدث داخل وخارج مقر المحكمة في أكاديمية الشرطة حيث عقدت الجلسة الأولى للمحاكمة لم يكن إلا تأكيداً على سقوط التنظيم الإخواني، ولفظ المجتمع المصري له، لقد فضل المصريون أن يتغيب معظمهم عن أعمالهم وأن يغلقوا محالهم، وأن يتغيب أبناؤهم عن المدارس والجامعات، وخلت الأماكن العامة والمقاهي والشوارع والميادين، حتى كأن البلاد في حالة عصيان مدني، وكانت النتيجة أن انفضحت قدرة التنظيم الكاذبة على الحشد، وتكشَّف حجم وجودهم الحقيقي على الأرض، وحجم تأثير ما يرتكبونه من جرائم إرهابية ضد المصريين، فلم يتجاوز عدد المشاركين في تظاهرات المحاكمة في مختلف أرجاء القاهرة الكبرى على سبيل المثال ما بين 5 و9 آلاف توزعوا ما بين مقر المحكمة في أكاديمية الشرطة والمحكمة الدستورية العليا ومسجد الفتح برمسيس والطريق الدائري من ناحية منطقة المنيب، وحسب تقديرات المراقبين بلغ عدد المتظاهرين على مستوى الجمهورية 22 ألف متظاهر.

لقد خلص الكثير من المصريين إلى أن هؤلاء لا علاج لأمراضهم التي بدا أنها مستعصية، إلا بالعزل في حجر أو مصحة عقلية، كلهم سواء الأمي الجاهل أو المتعلم الحاصل على أعلى الدرجات العلمية، وهو الأمر الذي بدأ تنفيذه فعلياً.