السينما المصرية تقسو على النوبيين

'البشرة السوداء سبب كل داء'

القاهرة - النوبيون في السينما المصرية البطولة حلم بعيد المنال عنهم والادوار البسيطة والثانوية تحصرهم في قالب مكرر ومستهلك في معظم الاحيان، فاغلب الافلام تتغافل عن قضاياهم وهمومهم الحقيقية لتقدمهم في ادوار العامل والطباخ وحارس العمارة والبواب.

ولم يشذ عن تلك القاعدة سوى أفلام قليلة جدا طرقت بجدية اهتمامات ومشاغل أهل النوبة، ومنها "المومياء" للمخرج الراحل شادي عبدالسلام و"الطوق والإسورة" للمخرج محمد خان.

ويرى خبراء فنيون ان هناك أفلام سينمائية تقدم المواطن النوبي في قوالب ثابتة لا يمكن الخروج منها بأي حال من الأحوال وتنحصر جميعها في دور البواب أو المضيف أو الخادم.

ويستغرب النقاد من عدم تخصيص الفن السابع المصري ادوارا ثرية ومتنوعة والمركبة للنوبيين ويقول احدهم "لم نشاهد مطلقا نوبيا مثقفا في اغلب الأعمال الفنية".

ويستشهد الكثير من المتخصصيين في المجال بافلام زمن الفن الجميل حيث يجسد إسماعيل ياسين في احد افلامه شخصية نوبية بالعمامة والجلباب متسمة بالغباء الشديد وتتحدث العربية بلكنة نوبية مخالفة لقواعد اللهجة.

وتسير الأفلام الحديثة سيرا حثيثا في نهج زمن الفن القديم بحصر النوبيين في قوالب جاهزة ومهمشة، فـ"عبده" في فيلم "انتبهوا أيها الأزواج" بطولة بوسي وسعيد صالح هي شخصية نوبية تلعب دور الخادم المسلوب للارادة والمفجر للسخرية.

وينطبق الامر ذاته على فيلمي "حكاية حب" بطولة حسين فهمي وآثار الحكيم و "خلف أسوار الجامعة" لسعيد صالح وصلاح السعدنى ويونس شلبي حيث تظهر الشخصية النوبية في مشاهد سطحية وساذجة تفتقر للطرح الجدي والعميق وللمشاعر الانسانية الراقية.

واثارت لقطة من المسلسل المصري "نكدب لو قلنا مبنحبش" التي قالت فيها رجاء الجداوي للممثل أمير صلاح، عضو فريق "بلاك تيما" كلمة "هات أهلك البرابرة"، ردود فعل غاضبة من أهالي النوبة الذين رأوا أن هذا يُعد استخفافا بهم، معتبرين أن هذه الكلمة استمرار لمسلسل الإهانات لأهالي النوبة.

وانتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي التعليقات المنددة باهانة النوبيين والتصغير من اهميتهم وشانهم.

واعلنت اطراف نوبية مثقفة انها ستتخذ الإجراء اللازم لمنع التشوهات الفنية التي تسيء لأهالي النوبة بين الحين والآخر.

وقال المستشار محمد صالح عدلان، رئيس النادي النوبي العام، إن المُلام هنا هو أمير صلاح، عضو فريق "بلاك تيما" الذي رضي بهذا المشهد ولم يطلب تغييره.

\'ديكور يكمل السرايات والقصور\'

واعتبر الروائي المصري إبراهيم فهمي ان كتاب الشاشة الفضية اصروا على تقديم صورة باهتة عن مجتمع النوبة من خلال مثلا المسلسل التلفزيوني "حروف النصب"، والذي "يسخر من النوبيين ويعايرهم بلون بشرتهم السوداء".

والنوبيون أو النوبة قبائل تسكن المنطقة الواقعة في شمال السودان وجنوب مصر.

واعتبرت الناقدة ماجدة موريس أن ظهور أهالي النوبة على أنهم فئة مهمشة في السينما كان مقصودا، والسبب يرجع إلى "اللون" لأنه في الماضي كانت السينما تطلب مواصفات خاصة للفنانابرزها الوسامة والجمال.

وفتح الروائي والقاص السوداني هشام أدم جرح استغلال صورة السوداني والنوبي بمناسبة وبدون مناسبة في السينما المصرية، ووجه رسالة إلى القائمين على القطاع وطالب بالموضوعية في طرح الموضوعات الكوميدية، فالسخرية من السودانيين والنوبيين ليست كوميديا مُضحكة على الإطلاق، بل "أمر مُشين لتاريخ مصر السينمائي، ولتاريخ العلاقة بين المصريين والنوبيين من ناحية، وبين المصريين والسودانيين من ناحية أخرى".

وقال الكاتب الروائي المصري حسن نور "نتعرض نحن النوبيين من آن لآخر لكثير من السخرية والاستهزاء في كثير من الأفلام والمسلسلات التلفزيونية".

ويذهب البعض من المفكرين الى ان وضع النوبيين في قالب جاهزة ومكررة في السينما المصرية يعود الى خصوصيتهم وطبيعتهم المتحفظة.

وافاد السيناريست المصري زينب عزيز انه توجد مشكلة حقيقية في أن "النوبيين" دائما متحفظين في مناقشة حياتهم بكل أشكالها، ودائما يرفضون الحديث عن حياتهم الخاصة أو العامة، مضيفة أن خصوصيتهم تعيق كتابة أعمال درامية أو سينمائية تناقش قضاياهم الحقيقية.

في حين تعتبر بعض الاراء ان الطبيعة العفوية والتلقائية التي تغلب على اهل النوبة وكرههم لحياة التكلف والتصنع هي التي تدفع الكتاب الى وضعهم في خانة الادوار البسيطة.

واعتبر المنتج السينمائي فاروق صبري أن السينما المصرية قدمت أشكالا نمطية عن "أهالي النوبة"، ويرجع هذا السبب إلى الأربعينيات من القرن الماضي، لأن التعليم كان يقتصر على طبقة معينة من أولاد الباشاوات ولم تقدم السينما "النوبيين" بأدوار مخلة، مثل حرامي أو لص أو قاطع طريق، لكنها حصرتهم في ادوار طيبة.

وأضاف أن "النوبيين" اشتهروا بالأمانة والصدق فأصبحوا علامة فارقة في حياة السينما المصرية، وكانوا جزءا من الديكور المكمل لسرايات وقصور "الباشاوات" في الماضى.

واشار فاروق صبري إلى أن السينما المصرية لم تقصد من بعيد أو قريب إهانة "أهالي النوبة" ولكن السينما كانت تظهر الجانب الإيجابي فيهم لأنهم أهل الأمانة.

ويشاطره الراي الناقد مجدي الطيب الذي يرى أن طرح السينما المصرية نموذج "السفرجى، والبواب، والطباخ" ليس تحقيرا لأهالي النوبة، وبالعكس فهم تكريم لهم، واعتراف صريح بصدق مشاعرهم.

اعداد: لمياء ورغي