مصر: ثورتان 'استعمال طبيب'!

يذهب المصريون الى مدينة الحرفيين على مشارف القاهره لإصلاح سياراتهم..

وانا واحد من الآلاف الذين يقصدون المنطقة سعياً وراء السعر المناسب والصنايعي الماهر .."الاسطوات" لهم مقهى خاص يجلسون اليه في وقت الفراغ أو عند انتهاء "الصبيان" من أعمال الصيانة الأولية، ومن ثم يجلس الزبائن معهم فيجتمع خليط من المثقفين والاطباء والمحامين مع "الميكانيكية" الذين لولاهم لتوقفت نصف سيارات القاهرة عن العمل.

الاسطوات لهم تعليقات خاصة بهم يفلسفون بها الحياة في مصر ويحللون قرارات الحكومة ولجنة الخمسين المكلفة باعداد الدستور ومستقبل البلد التي أفرزت ثورتين لم ينجم عنهما تأثيرات حقيقية على المواطن المصرى الذي ما زال يعاني من الفقر ويفتقد للعلاج ويبحث عن وظيفة وينشد العدالة الاجتماعية، وكلها شعارات رفعتها ثورتا 25 يناير 30 يونيو لكن النتيجة كانت صفراً ..

قال الاسطى سعيد اختصاصي اصلاح الماركات الفرنسية أن الثورتين "استعمال طبيب"! والمقصود في قاموس بيع واصلاح السيارات أن السيارة لم تمس وتقريباً بحالتها أو تقفيل الفابريكا كما يقولون، واضاف زينهم الذي يلقبونه بدكتور الايطالي لخبرته في اصلاح الفيات والشاهين قائلاً انه منذ يناير 2011 وهو يسمع شعارات نموذجية ومثالية، ولكنها لم تحقق شيئاً.. الاسعار تلتهم النقود كما تأكل النار الخشب، والتعليم "زفت" والمصانع مغلقة والزبائن تريد أن نجاملها في الاصلاح رغم ارتفاع اسعار قطع الغيار والاكسسوار ..

وتدخل عبد المنعم المتخصص في البوجيهات ليقول إن ثورة 30 يونيو كانت تصحيحاً لمسار 25 يناير، لكنها "غرست في الاعتصامات والتظاهرات والالترس وصدامات شباب الجامعة والارهاب وتفخيخ السيارات ومحاولة تفكيك الجيش والشرطة .. باختصار نحن في مرحلة تفجير مصر وانزالها ع المحارة وهذا خراب مستعجل!".

وفي مناسبة مرور ألف ليلة وليلة من الثورة، نسي المصريون أو تناسوا شعار الثورة برمته، فتحت وطأة الارهاب المحدق بهم أرجأوا حلم رغيف العيش الادمي، وأمام ميكافيللية الاخوان لاستعادة السلطة جمدوا امل الحرية، وبما ان تشابك العراقيل الامنية والسياسية والاقتصادية أفضى إلى قائمة أولويات مغايرة، فقد تنازلوا مؤقتاً عن أمنية العدالة الاجتماعية إلا أن موجة التنازل والتجميد والتجاهل الشعبي لمطالب الثورة بعد مرور ألف يوم ليست منزوعة العواقب الوخيمة، إذ نتجت عنها أثار عكسية بالغة وعوارض جانبية عارمة وانتكاسات اجتماعية قاتمة، فرغم الترفع الشعبي الواضح عن خلافات الدستور ولجنة الخمسين، إلى الرأفة المجتمعية غير المسبوقة بحكومة حازم الببلاوي التي لا يشعر بها أو بوجودها أو بقراراتها أحد، إلى التنزه الوطني الخارق ورفع مبدأ عفا الله عما سلف في ما يختص بالشرطة، إلا أن الألف ليلة وليلة أسفرت عن اعتلال مزاجي شديد، وتنفيس عصبي عنيف، واستنفار نفسي بليغ...واذا كان اساتذة الطب النفسي رصدوا في مؤتمر لهم قبل عام كامل حالة من الاعتلال المزاجي ضربت جميع طوائف المصريين وجعلت الغالبيه تتوقع الاسوأ وحذروا من ان استمرار الاعتلال من شأنه ان يؤدي الى اضطرابات سلوكية جماعية وحالة من العنف العام تلحق الضرر بالبلاد والعباد، فقد حدث هذا بالفعل.

فضبابية المشهد، وتكرار حوادث الارهاب، وتربص انصار الشريعة والشرعية بتفاصيل الحياة لعرقلتها بغرض عودة الرئيس المعزول محمد مرسي الى القصر والمرور المشلول وتطبيق قانون المفقود، والمصالح الحكومية المعتلة بالفوضى، والاسعار الجنونية بلا امل واضح لتعقلها يلوح في الافق، باتت تدفع المصريين بعد الف يوم من الثورة إلى اتباع نظرية الاواني المستطرقة للتنفيس عن احباطهم وغضبهم في بعضهم بعضاً.

لسان حال الشوارع حيث الخناقات المرورية، وعنف القيادة، وتربص المواطنين ببعضهم بعضاً لافتعال المعارك بغرض تفريغ شحنات الغضب تعبر عن نفسها على مدار اليوم. لكن ما يفرغه المواطنون في الشارع نهاراً يعودون الى بيوتهم ليلاً ليحملوه في عملية اعادة شحن من قنوات اعلام محذرة من موجات ارهاب جديدة وهجمات اخوانيه شديدة، وتربصات دولية رهيبة، وقنوات اخرى محذرة من موجات انتقامية ضد الناس بتوع ربنا وهجمات علمانية فريدة.

اجواء التربصات والهجمات والارهاب بعد الف ليلة وليلة من الثورة تعصف بأعصاب المصريين عصفاً. وحتى اختيارهم الطوعي لتجاهل سفسطة الدستور، وفلسفة النخبة، وغوغائية الاخوة (والاخوات) في احداث الجامعات و"مصمصة القدرة" حيث لم يعد هناك الا اقل القليل من المخدرات لم يعد يكفي.

ومسألة ان الثورة كاشفة ويحسب لها انها كشفت الستار عن المتلونين والمتحولين والفاسدين والملتحفين برداء الدين وهواة ركوب الموجات الثورية لم تعد قادرة على سد رمقهم او بل رقيتهم بأمل ما يلوح في نهاية النفق الثوري.

الف يوم من الثورة مضت ولم يعد الشباب يصرخون "الثورة مستمرة" ولم يعد الشيوخ يهمسون "الثورة مستقرة" ملحقين اياها احيانا بعبارة "في القاع" ولم يعد الفلول يسخطون "الثورة مستفزة" ولم يعد الساخرون ينكتون: "الثورة مستجمة" بل بات الجميع يشعر ان الازمة مستمرة ومستقرة ومستفزة ومستجمة!