حمّى العنف تطال عام الطفولة

'عندما كان التعليم أداة للارتقاء الاجتماعي..'

تونس - شكل موضوع العنف في الوسط المدرسي محور المائدة المستديرة نظمتها صحيفة "الصحافة التونسية" بمشاركة العديد من المحلّلين والخبراء.

وأكّد محمد نجيب الورغي رئيس مدير عام مؤسسة سنيب لابراس للصحافة على ما تشكله هذه الظاهرة غير الصحية من مخاطر على قطاع التعليم بصفة عامة، مبرزا ضرورة تكاتف مختلف جهود المتدخلين في هذا القطاع الهام للحد من منها خاصة وان هذه الظاهرة غير الصحية تهدد الأبناء والأولياء والإطار التربوي.

وبيّن لطفي العربي السنوسي رئيس تحرير صحيفة "الصحافة" أن اختيار هذا الموضوع لتسليط الضوء ليس اعتباطيا نظرا لما أصبح يشكله موضوع العنف في الوسط المدرسي من ظاهرة خطيرة تهدد المجتمع بصفة عامة، وان ظاهرة العنف انتشرت في عديد الدول في العالم في السنوات الأخيرة أهمها ما أكده التقرير العالمي لليونسكو الذي تحدث عن تفاقم ظاهرة العنف ضد الطفل في العالم إلى درجة الخطورة في بعض المناطق مما أثار قلقا كبيرا لانتشار عدوى هذا العنف.

وقد تم في هذا الصدد تنظيم العديد من المؤتمرات العالمية حول العنف أهمها ذلك الذي احتضنته باريس سنة 2011 بمشاركة 37 دولة وسنة 2003 بكندا والبرازيل سنة 2005 فضلا عن مؤتمر سنة 2006 بفرنسا والذي شارك فيه 35 دولة وبالبرتغال سنة 2008 وكندا سنة 2009.

وأفرز تقرير لمنظمة الصحة العالمية الصادر سنة 2001 وشمل 30 بلدا أوروبيا والولايات المتحدة الأميركية تلاميذ السنة عاشرة العديد من النتائج من بينها أن 1.8 بالمائة من التلاميذ اعتدوا بالضرب على أساتذتهم وأن 25 % اشتركوا في مشاجرة بالمدرسة و11.49 % جرحوا أحد الأشخاص جرحا تطلب علاجا كما أن هناك 12.3 % شاركوا مع مجموعة في إيذاء شخص و12.7 % شاركوا في عمليات همجية و10.8 % استدعتهم الشرطة بسبب تصرف عنيف.

ورأى أن ظاهرة العنف في الوسط المدرسي استفحلت بدرجة كبيرة وذلك حسب ما تدلّ عليه المؤشرات وهذه الظاهرة تفاقمت بصورة أفظع حيث أصبحت المدرسة فضاء لتصفية الحسابات القبلية والحسابات المجتمعية الضيقة.

ومن أهم أدوات معالجة هذه الظاهرة، تعزيز القدرات المؤسساتية والإدارية للمدارس والمعاهد ومزيد الاعتناء بتأهيل المتدخلين في المؤسسة التربوية من مدرّسين وقيّمين وإداريين والارتقاء بخدمات الاستكشاف وتعميقها فضلا عن مرافق ضحايا العنف إلى جانب العمل على استباق وقوع حالات العنف والعمل على تركيز ثقافة تقوم على مبدأ اللاعنف وإرساء منظومة إعلامية فاعلة وإجراء تقييمات وظيفية لأداء المؤسسات التربوية.

وتستهدف هذه الإستراتيجية المتمدرسين من أطفال ومراهقين وأسرة تربوية ومؤسسات حكومية وجمعيات ومنظمات معنية وإعلام وأولياء ومن المنتظر أن يساهم تطبيق هذه الإستراتيجية في الاطلاع المعمق على واقع المؤسسات التربوية وإرساء إطار تربوي مؤسساتي متناسق ومنسجم ومزود بالأدوات الكفيلة بتطبيق الإستراتيجية ومتابعتها.

وأكّد أحمد المهوك عضو بالنقابة الأساسية للتعليم الثانوي في تونس ومسؤول عن الإعلام أن التعليم كان أداة للارتقاء الاجتماعي وكبح جماح العنف لعدة أسباب أهمها الصلاحيات المعهودة لدى الإطار التربوي وتماسك الأسرة، وأن القوانين الجديدة التي حدت من سلطات رجال التعليم، في عديد من البلدان، كمنع ضرب التلميذ عند الضرورة ساهم في تفشي العنف وأصبح الأستاذ والمعلم معنفين من قبل التلميذ على عكس ما هو معهود.

وأصبح العنف ملازما للمنظومات التربوية في العالم جراء النظام النيوليبرالي الذي أصبح سائدا في العالم والذي أصبح من خلاله التعليم بضاعة يقدم من خلالها المدرس خدمات لا أكثر مضيفا بأن الدروس الخصوصية أصبحت آفة ساهمت في تشويه مكانة المربي.

ورأى صلاح الدين بن فرج مختص في علم الاجتماع أنّ إعادة الاعتبار للمنظومة التربوية العمومية وتحسين الظروف داخل المؤسسات التربوية والقطع مع التوجه النيولبيرالي القديم ورفع راية "مدرسة لكل فيها حق" فضلا عن تحسين الظروف الاقتصادية المحيطة بالتلميذ للحد من هذه الظاهرة فضلا عن تحويل هذه الظاهرة إلى ملف وطني لإيجاد الحلول اللازمة تناقش من قبل الأطراف المتدخلة في هذا القطاع الهام.